recent
أخبار ساخنة

سلسلة الأبطال – (الجزء الثالث) بحر البقر... حين عادت الحقائب المدرسية بلا أصحاب

 



حسين السمنودي 


حكاية أطفال لم يكبروا، وأمهات توقف الزمن عند أبواب بيوتهن، وقرية لم يعد صباحها كما كان أبدًا.


كان الصباح هادئًا على غير عادته، أو ربما كان هدوؤه يشبه كل صباح في القرى المصرية البسيطة؛ حيث تبدأ الحياة مع أول خيط من ضوء الشمس، وتفتح البيوت أبوابها على أصوات الأمهات، ورائحة الخبز، وحركة الأطفال الذين يستعدون للذهاب إلى مدارسهم.


في ذلك الصباح، لم يكن هناك ما يوحي بأن شيئًا استثنائيًا سيحدث.


كانت أم تقف أمام ابنها الصغير، تحاول أن تغلق أزرار قميصه، بينما يتهرب هو منها ضاحكًا.


قالت له:


اثبت يا ابني، هو كل يوم هنفضل نجري وراك؟


ضحك الطفل وقال:


يا أمي، أنا كبرت خلاص!


فابتسمت وهي تمسح على رأسه:


كبرت إيه بس؟ ده أنت لسه عيل صغير.


وفي بيت قريب، كانت طفلة تضع كتبها في حقيبتها، ثم تعود لتطمئن أن كراستها لم تُنسَ، فقد وعدت معلمتها أن تكون من الأوائل.


سألت أمها:


هو لو جبت الدرجة النهائية هتجيبي لي الفستان اللي وعدتيني بيه؟


أجابتها الأم:


أجيب لك أحلى فستان في الدنيا، بس اجتهدي يا حبيبتي.


وهتفرحي بيا؟


ده أنا مستنية اليوم اللي أشوفك فيه أحسن واحدة في الدنيا.


لم تكن الأم تعرف أن أمنيتها البسيطة ستصبح ذكرى موجعة، وأن ذلك الفستان الذي وعدت به ابنتها سيظل وعدًا معلقًا في قلبها إلى الأبد.


في القرية، كان الأطفال يتجمعون في الطريق، يحملون حقائبهم الصغيرة، ويتبادلون الضحكات والحكايات. بعضهم كان يتحدث عن واجب لم يكمله، وبعضهم يتشاجر على لعبة، وآخرون يتسابقون في الطريق إلى المدرسة.


كانت الحياة عادية جدًا، وهذا تحديدًا ما يجعل الحكاية موجعة إلى هذا الحد.


فلم يكن هؤلاء الأطفال جنودًا يحملون السلاح، ولم يكونوا مقاتلين في ساحة حرب، ولم يعرفوا شيئًا عن الحسابات السياسية والعسكرية، ولا عن خرائط المعارك ولا حدود الدول.


كان سلاحهم قلمًا، وكانت أحلامهم أكبر من أعمارهم، وكانت المدرسة هي المكان الذي يتعلمون فيه كيف يكتبون مستقبلهم.


دخلوا فصولهم، وجلس كل طفل في مكانه، وفتحت الكراسات، وبدأت الدروس.


ربما كان أحدهم يحدق في النافذة منتظرًا انتهاء الحصة، وربما كانت طفلة تكتب اسمها على غلاف كراستها، وربما كان طفل آخر يهمس لزميله بأنه سيلعب معه بعد العودة.


لم يكن أحد منهم يعرف أن بعض المقاعد ستظل فارغة إلى الأبد.


كان كل شيء يسير في مساره المعتاد، حتى جاء ذلك الصوت.


صوت لم يشبه أي صوت عرفته القرية من قبل.


اهتزت الأرض، وانفجرت السماء في وجوه الصغار، وتحول المكان الذي كان قبل لحظات يضج بالعلم والضحكات إلى مشهد من الغبار والركام والصراخ.


كانت طائرات إسرائيلية قد قصفت مدرسة بحر البقر الابتدائية في الثامن من أبريل عام 1970.


لم تكن ضربة عسكرية في ميدان قتال، ولم يكن أمامها جيش يواجه جيشًا، بل كانت المدرسة بما فيها من أطفال أبرياء.


في لحظات قليلة، تغير وجه القرية.


الأمهات يخرجن من البيوت، والآباء يركضون في الطرقات، والناس تتجه نحو المدرسة، وكل شخص يحمل سؤالًا واحدًا في قلبه:


أين ابني؟


لم تعد هناك كلمات مفهومة، ولا قدرة على التفكير، فقط صرخات تتعالى، وأقدام تتعثر، وعيون تبحث بين الركام عن وجه مألوف.


كانت إحدى الأمهات تركض وهي تنادي:


- يا ولدي! يا حبيبي! أنت فين؟ رد عليّ!


اقترب منها رجل يحاول أن يمنعها من التقدم، فقالت له وهي تدفع يديه:


- سيبني! ابني جوه! أنا عايزة ابني!


قال الرجل بصوت مرتجف:


اصبري يا أختي، الناس بتدور.


فصرخت:


أصبر إزاي؟ ده ابني! أنا اللي صحيته الصبح، أنا اللي لبسته، أنا اللي حطيت له الأكل في شنطته! هو كان لسه بيضحك معايا من شوية!


لم يكن الرجل قادرًا على الرد.


فبعض الأوجاع لا تجد أمامها كلمات، وبعض الصرخات لا يستطيع أحد أن يوقفها.


وعلى جانب آخر، كان أب يبحث بين الأنقاض، يزيح ما يستطيع بيديه، وينادي باسم طفله، ثم يتوقف فجأة عندما يرى حقيبة مدرسية يعرف لونها جيدًا.


انحنى والتقطها.


كانت الحقيبة مغطاة بالتراب، لكنه عرفها من أول نظرة.


ضمها إلى صدره، وظل ينظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت مكسور:


- دي شنطته... دي شنطة ابني... أنا جبتها له من السوق من كام يوم... كان فرحان بيها قوي.


ثم التفت إلى الموجودين وسأل:


- طب هو فين؟ حد شافه؟ يمكن خرج... يمكن حد أخده... يمكن راح عند حد من أصحابه...


كان يبحث عن احتمال واحد، أي احتمال، حتى لو كان بعيدًا.


فالإنسان عندما يخاف على ابنه، يتمسك بأي أمل، حتى لو كان الأمل مجرد وهم صغير.


بدأت رحلة البحث عن الأطفال.


لم تعد القرية تعرف معنى الوقت. الساعات تمر ثقيلة، والناس تتحرك بين المدرسة والبيوت، وكل بيت ينتظر خبرًا.


كانت هناك أم تجلس على الأرض، لا تستطيع الوقوف، تردد:


- أنا عايزاه يرجع... مش عايزة حاجة من الدنيا... أنا عايزة ابني بس.


اقتربت منها جارتها وقالت:


ادعي ربنا يا أختي.


فأجابتها:


أنا بدعي من الصبح... بدعي ومش عارفة أقول إيه... هو أنا كنت طالبة من ربنا غير إنه يرجع لي سالم؟


ثم رفعت رأسها فجأة وسألت:


هو كان لابس الجاكت اللي أنا غسلته له امبارح؟


قالت جارتها:


أيوه، كان لابسه.


فأغمضت عينيها وقالت:


يا رب يكون بردان... يا رب حد يكون غطاه.


كانت لا تزال تفكر فيه كما تفكر الأم في طفلها حين يتأخر عن البيت؛ تخشى عليه من البرد والجوع والتعب، ولم تستطع أن تستوعب أن الخطر الذي يواجهه أكبر من كل ما تعرفه.


وفي بيت آخر، كان الأب يجلس أمام باب منزله، لا يتحدث مع أحد.


سأله أحد الرجال:


- عرفت حاجة؟


هز رأسه بالنفي.


ثم قال بعد صمت طويل:


كان نفسه يبقى مدرس.


ربنا يصبرك.


كان كل يوم يقعد يشرح لإخوته اللي أخده في المدرسة، ويقول لهم لما أكبر هعلمكم ببلاش.


سكت قليلًا، ثم أضاف:


- هو كان فاكر إن المدرسة مكان آمن... وأنا كمان كنت فاكر كده.


يا لقسوة هذه الجملة!


كيف يمكن لأب أن يشرح لطفله أن العالم الذي أرسله إليه ليتعلم، لم يكن آمنًا كما ظن؟


كيف يمكن لأم أن تودع ابنها إلى المدرسة، ثم تعود لتبحث عنه بين الركام؟


كيف يمكن لطفل أن يذهب حاملًا كتابه وقلمه، ثم يصبح خبرًا في نشرة أو رقمًا في سجل الشهداء؟


انتهى اليوم، لكن الحكاية لم تنتهِ.


في ذلك اليوم، استشهد ثلاثون طفلًا، وأصيب عشرات آخرون.


ثلاثون طفلًا كان لكل واحد منهم بيت ينتظره، وأم تحفظ تفاصيل وجهه، وأب يتمنى أن يراه يكبر أمام عينيه.


ثلاثون مستقبلًا لم يصل إلى موعده.


ثلاثون مقعدًا كان من الممكن أن يجلس عليها أصحابها في اليوم التالي، وثلاثون حقيبة كان من الممكن أن تعود إلى أصحابها، وثلاثون صوتًا كان من الممكن أن يتعالى في ساحة المدرسة.


لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.


وعندما عادت الحياة إلى شوارع القرية ببطء، لم تعد كما كانت.


أصبح لكل بيت حكاية، ولكل باب ذكرى، ولكل أم سؤال لا يجد إجابة.


كانت إحدى الأمهات تدخل غرفة طفلها كل يوم، تفتح النافذة، ترتب سريره، ثم تضع ملابسه في مكانها.


سألتها ابنتها الكبرى ذات يوم:


يا أمي، ليه لسه سايبة سريره زي ما هو؟


نظرت إليها الأم وقالت:


عشان لما يرجع يلاقي حاجته مكانها.


لكنه مش هيرجع يا أمي...


لم تكمل الفتاة جملتها.


فالأم نظرت إليها نظرة طويلة، ثم قالت:


- ما تقوليش كده... هو كان هنا... وكان بيضحك... وكان بيقول لي إنه هيجيب لي هدية لما يكبر ويشتغل... أنا مستنياه.


كانت تعرف الحقيقة، لكنها لم تكن قادرة على نطقها.


فثمة فرق كبير بين أن يعرف الإنسان أن من يحب قد رحل، وبين أن يقبل أن يعيش العالم من دونه.


وفي بيت آخر، احتفظ أب بكراسة ابنه.


فتحها ذات ليلة، وبدأ يقلب صفحاتها، فوجد درسًا في اللغة العربية، وبعض الكلمات التي كتبها الطفل بخط غير متقن، ثم وجد في آخر الصفحة جملة صغيرة كتبها الصغير:


«نفسي أبقى حاجة كبيرة لما أكبر».


توقف الأب عند الكلمات.


مرر يده عليها، ثم أغلق الكراسة ووضعها على صدره.


وقال بصوت لا يسمعه إلا الله:


- كنت هتبقى كبير يا ابني... والله كنت هتبقى كبير.


لم تكن مأساة بحر البقر مجرد حادثة عابرة في تاريخ الحروب، ولم تكن مجرد خبر تناقلته الصحف والإذاعات، بل كانت جرحًا إنسانيًا عميقًا في قلب مصر.


كانت المدرسة قرية داخل القرية، وكان الأطفال أبناء الجميع، وكانت أحلامهم تشبه أحلام ملايين الأطفال في كل مكان.


كانوا يريدون أن يتعلموا، وأن يلعبوا، وأن يعودوا إلى بيوتهم، وأن يكبروا، وأن يعيشوا حياة عادية لا يعرفون فيها صوت الطائرات إلا من بعيد.


لكن الحرب لا ترحم دائمًا، والعدوان حين يتجرد من إنسانيته لا يفرق بين طفل يحمل كتابًا وجندي يحمل سلاحًا.


لقد أراد هؤلاء الأطفال أن يكونوا شيئًا في المستقبل، لكن المستقبل لم يمنحهم فرصته.


ومن حقنا اليوم أن نتوقف أمام تلك المأساة، لا لنستعيد الحزن وحده، بل لنتذكر أن وراء كل رقم إنسانًا، ووراء كل اسم حكاية، ووراء كل طفل فقد حياته أمًّا لن تنسى، وأبًا سيظل يتذكر آخر كلمة سمعها منه.


إن التاريخ لا ينبغي أن يُكتب فقط بلغة الجيوش والانتصارات والهزائم، بل يجب أن يُكتب أيضًا بدموع الأمهات، وبأحلام الأطفال، وبالبيوت التي فقدت أصوات أصحابها.


فكم من طفل كان يمكن أن يصبح طبيبًا ينقذ حياة الآخرين؟


وكم من طفلة كان يمكن أن تصبح معلمة تقف أمام فصل كامل وتزرع العلم في عقول الصغار؟


وكم من طفل كان يمكن أن يصبح مهندسًا أو عالمًا أو كاتبًا أو فنانًا؟


وكم من أب كان يمكن أن يجلس بعد سنوات أمام باب منزله، يشاهد ابنه يعود من عمله، ويشعر بالفخر لأنه أصبح رجلًا يعتمد عليه؟


وكم من أم كانت ستنتظر عودة ابنها من الجامعة، أو تجهز له ثوب زفافه، أو تحمل طفلته الصغيرة بين ذراعيها؟


كل هذه الاحتمالات ماتت قبل أن تبدأ.


وهنا تكمن المأساة الحقيقية؛ فالأطفال لم يفقدوا حياتهم فقط، بل فقد العالم معهم أشياء كثيرة لم تتح له الفرصة حتى ليراها.


وفي النهاية...


يا أطفال بحر البقر، يا من ذهبتم إلى مدارسكم تحملون الكتب والكراسات، ولم تعودوا إلى بيوتكم كما وعدتم أمهاتكم، يا من تركتم وراءكم أحذية صغيرة وحقائب مدرسية وكراسات مفتوحة وأحلامًا لم تكتمل...


نعلم أن الكلمات مهما طالت لن تعيد طفلًا إلى حضن أمه، ولن تجعل أبًا يسمع من جديد صوت ابنه وهو يناديه، ولن تفتح أبواب البيوت التي أغلقتها الفاجعة إلى الأبد.


نعلم أن هناك أمهات عشن بقية أعمارهن وهن ينتظرن صوتًا لن يعود، وآباء حملوا في صدورهم وجعًا لا تستطيع السنوات أن تمحوه.


لكننا نكتب اليوم حتى لا تتحول حكايتكم إلى مجرد تاريخ قديم، وحتى لا يصبح استشهادكم رقمًا نمر عليه ونحن نقلب صفحات الكتب.


نكتب لأن الذاكرة أمانة، ولأن الأطفال الذين لم يكبروا يستحقون أن يبقوا في وجدان الأجيال.


نكتب لأن هناك جرائم لا ينبغي أن ينساها العالم، وهناك دماء لا يجوز أن تصبح مجرد أرقام، وهناك أمهات يستحق وجعهن أن يسمعه كل إنسان.


لقد رحلتم صغارًا، لكن حكايتكم كبرت، وامتدت من جيل إلى جيل.


في بحر البقر لم تسقط جدران مدرسة فقط، بل سقطت أحلام ثلاثين طفلًا، وانكسرت قلوب أمهات، وانطفأت في بيوت كثيرة ضحكات لن تتكرر.


عاد الصباح بعد ذلك اليوم، وعادت الشمس تشرق، وعادت الحياة تدور، لكن بعض الأبواب ظلت تنتظر، وبعض الأمهات ظللن ينظرن إلى الطريق، وبعض الآباء احتفظوا بحقائب أبنائهم كما لو أن أصحابها سيعودون بعد قليل.


وهذه هي أقسى صور الفقد...


أن يعود كل شيء إلى طبيعته، إلا قلب الأم.


سلام على أرواح أطفال بحر البقر، وسلام على كل أم دفنت قطعة من قلبها في ذلك اليوم، وسلام على كل طفل حُرم من حقه في أن يكبر ويحلم ويعيش.


أنتم أبطال، ليس لأنكم حملتم السلاح، بل لأنكم دفعتم ثمن حرب لم تختاروها، ولأن العالم سيظل مدينًا لطفولتكم التي سُرقت منكم.


google-playkhamsatmostaqltradent