من يُخبر البحر بأني على اليابسة أغرق؟
حسين السمنودي
من يُخبر البحر بأني على اليابسة أغرق؟ ومن يُخبر الذين يرونني واقفًا أن الوقوف لا يعني أنني بخير؟ فمن الممكن أن يكون الجسد ثابتًا في مكانه، بينما الروح تغرق في أعمق نقطة داخلها، ولا تجد يدًا تمتد إليها، ولا صوتًا يسمع استغاثتها.
هناك غرقٌ لا تراه العيون، ولا تلتقطه الكاميرات، ولا يعرفه الناس الذين اعتادوا أن يسألوك: «أنت كويس؟» ثم يرحلون قبل أن يسمعوا الإجابة الحقيقية. غرقٌ يحدث ونحن بين أهلنا، نمشي في الشوارع، نجلس وسط الناس، نضحك أحيانًا، ونتحدث عن أشياء عادية، بينما في الداخل بحرٌ هائج، وأمواجٌ تضرب ما تبقى من القلب.
من يُخبرهم أن الإنسان قد يبتسم وهو يختنق؟ وأن أكثر الوجوه هدوءًا قد تخفي وراءها حكايات من التعب لا يستطيع صاحبها روايتها؟ هناك أناس لم يعودوا يبحثون عن السعادة، بل يبحثون فقط عن يوم يمر دون وجع، وعن ليلة ينامون فيها دون أن يستيقظوا على ذكريات تؤلمهم، وعن شخص واحد يشعر بهم دون أن يطالبهم بشرح كل شيء.
يا لهذا الغرق الذي لا يحتاج إلى ماء! يكفي أن تتراكم عليك الأيام، وأن تفقد من تحب، وأن تنكسر ثقتك بمن وثقت بهم، وأن تكتشف أن بعض الأبواب التي طرقتها طويلًا لم تكن تفتح إلا لتخبرك أنك لست مرحبًا بك، وأن بعض القلوب التي منحتها كل شيء كانت تخبئ عنك حقيقة أنها لم تمنحك إلا القليل.
أحيانًا لا نغرق لأن الحياة قاسية فقط، بل لأننا حملنا فوق ظهورنا ما يفوق قدرتنا على الاحتمال. حملنا هموم الأسرة، وخوف الغد، وذكريات الأمس، ومسؤوليات لا تنتهي، ووجوهًا نخشى أن نحزنها، وأحلامًا تأخرت كثيرًا، وأسئلة لا نجد لها إجابة. ثم نمضي، وكأن شيئًا لم يحدث.
نقول «أنا بخير» لأننا تعبنا من شرح أننا لسنا بخير.
نضحك لأن البكاء أصبح ثقيلًا.
نصمت لأن الكلام لم يعد يغير شيئًا.
وننام لأن النوم أحيانًا هو المهرب الوحيد من ضجيج العقل.
لكن من أصعب أنواع الحزن أن تشعر بأنك تغرق ولا أحد ينتبه. أن تكون وسط عشرات الأشخاص، ومع ذلك تشعر أنك وحيد. أن يكون هاتفك ممتلئًا بالأسماء، بينما قلبك لا يجد اسمًا واحدًا يستطيع أن يقول له: «أنا تعبت». أن تبحث عن شخص يسمعك لا ليعطيك محاضرة، ولا ليحكم عليك، ولا ليخبرك بأن غيرك يعاني أكثر منك، وإنما ليجلس بجوارك فقط، ويقول لك: «أنا فاهمك.. خليك هنا، مش لازم تتكلم».
هناك لحظات يصبح فيها الإنسان بحاجة إلى حضن أكثر من حاجته إلى ألف نصيحة، وإلى قلب رحيم أكثر من حاجته إلى كلمات مرتبة. لأن بعض الأوجاع لا تُعالج بالشرح، وبعض الكسور لا تحتاج إلى طبيب بقدر ما تحتاج إلى إنسان صادق لا يترك يدك وأنت تحاول الوقوف.
من يُخبر البحر بأني على اليابسة أغرق؟ من يقول له إنني لم أعد أخاف من الأمواج، لأنني اعتدت عليها؟ وأن خوفي الحقيقي أصبح من الهدوء، لأن الهدوء بعد العواصف يجعلني أسمع صوتي الداخلي بوضوح، وأسمع كل الأشياء التي حاولت طويلًا أن أنساها؟
أشتاق إلى أناس رحلوا ولم يأخذوا معهم أجسادهم فقط، بل أخذوا جزءًا من قلبي. أشتاق إلى أيام كانت بسيطة، لكنها كانت ممتلئة بالدفء. أشتاق إلى أصوات لم أكن أعرف قيمتها إلا بعد أن أصبحت ذكرى. أشتاق إلى وجوه كنت أظن أنها ستبقى معي إلى الأبد، ثم اكتشفت أن «إلى الأبد» ليست وعدًا في هذه الدنيا.
وأحيانًا يكون أقسى الفقد ليس فقد الأشخاص، وإنما فقد النسخة القديمة من أنفسنا. تلك النسخة التي كانت تفرح بسهولة، وتثق بسرعة، وتنام مطمئنة، وتصدق أن الغد أجمل. ثم تأتي الحياة، وتعلمنا بالتدريج أن بعض الأحلام لا تتحقق، وأن بعض الأمنيات تتأخر حتى نفقد الرغبة فيها، وأن بعض الناس يتغيرون، وأن بعض الطرق التي مشينا فيها بكل صدق كانت تقودنا إلى أماكن لم نكن نريد الوصول إليها.
ومع ذلك نستمر.
نستيقظ كل صباح، نغسل وجوهنا، نرتب ملابسنا، نذهب إلى أعمالنا، نتحدث مع الآخرين، ونؤدي واجباتنا، وكأن القلب لم يحمل طوال الليل جبالًا من الحزن. لا أحد يرى المعركة التي يخوضها الإنسان وحده عندما يضع رأسه على وسادته، ولا أحد يعرف كم مرة أعاد في ذهنه موقفًا قديمًا وقال: «ليتني لم أفعل»، أو «ليتني قلت»، أو «ليتني لم أثق»، أو «ليت ذلك الشخص بقي».
كم من إنسان يعيش بيننا ويحتاج فقط إلى أن يشعر بأنه مهم. كم من أب يخفي ضيقه حتى لا ترى أسرته انكساره. وكم من أم تبتسم لأبنائها وهي تحمل داخلها خوفًا لا تستطيع الحديث عنه. وكم من شاب يبدو قويًا أمام الجميع، بينما هو في غرفته يبحث عن سبب واحد يجعله يصدق أن القادم يستحق الانتظار.
الحزن ليس دائمًا دموعًا. أحيانًا يكون الحزن أن تصبح أقل كلامًا، وأقل فرحًا، وأقل اهتمامًا بالأشياء التي كنت تحبها. أن تجلس طويلًا دون أن تفعل شيئًا، لا لأنك كسول، وإنما لأن داخلك استنزف كل طاقته. أن تفتح هاتفك، وتقلب الصفحات بلا هدف، ثم تغلقه وتكتشف أنك لم تكن تبحث عن شيء، بل كنت تهرب من نفسك.
ومع كل ذلك، يبقى في القلب شيء صغير يرفض الاستسلام.
شيء يقول لنا إن البحر مهما اتسع، فله شاطئ، وإن الليل مهما طال، فله فجر، وإن الإنسان قد ينكسر، لكنه يستطيع أن يجمع نفسه من جديد. قد لا يعود كما كان، وربما يصبح أكثر هدوءًا وحذرًا، لكنه يستطيع أن يبدأ من النقطة التي ظن أنه انتهى عندها.
ولعل أجمل ما في الحياة أن الله يعلم غرقنا حتى لو لم يرنا أحد. يعلم الدموع التي أخفيناها، والدعوات التي قلناها في صمت، والوجع الذي لم نستطع أن نحكيه لأقرب الناس إلينا. يعلم لماذا صمتنا، ولماذا ابتعدنا، ولماذا لم نعد نملك القدرة على الاحتمال.
فإذا كنت اليوم تغرق وأنت على اليابسة، فلا تظن أن غرقك يعني أنك ضعيف. ربما أنت فقط إنسان حمل أكثر مما ينبغي، وصبر أكثر مما يحتمل، وأعطى أكثر مما أخذ، وظل واقفًا حتى بعد أن أنهكته الحياة.
من يُخبر البحر إذن؟
ربما لا يحتاج البحر إلى أن يعرف.
يكفي أن يعرف الله أنك تغرق.
ويكفي أن يظل في داخلك نفسٌ واحد يقول: «يا رب».
فأحيانًا تكون هذه الكلمة الصغيرة آخر حبل نجاة يمسك به القلب قبل أن يصل إلى الشاطئ.