بقلم: د/حسين السمنودي
هناك رجال لا تحتاج بطولاتهم إلى ضجيج حتى تبقى أسماؤهم حاضرة في ذاكرة الوطن، ولا ينتظرون أوسمةً أو أضواءً حتى يعرف الناس أنهم كانوا يومًا جزءًا أصيلًا من ملحمة الدفاع عن الأرض والعرض والكرامة. هؤلاء هم أبناء مصر المخلصون الذين عاشوا على ترابها، وشربوا من مائها، واستمدوا من تاريخها قوة الانتماء، فكانوا عند الشدائد حائط صدٍّ منيعًا في مواجهة كل من حاول المساس بأرضها أو النيل من عزتها. ومن بين هذه الصفحات الوطنية التي تستحق أن تُروى سيرة المجاهد السيناوي الشهيد سالم حسن سلامة أبو راشد المسعودي، أحد أبناء قبيلة المساعيد الكرام، الذي ارتبط اسمه، وفقًا للرواية المتداولة عن سيرته، بجهود أبناء سيناء في مساندة القوات المسلحة المصرية عقب احتلال سيناء عام 1967.
إن الحديث عن سالم أبو راشد المسعودي ليس مجرد استعادة لاسم من أسماء الماضي، بل هو حديث عن مرحلة صعبة من تاريخ مصر، حين كانت أرض سيناء تحت الاحتلال، وحين كان المصريون يحملون في قلوبهم جرحًا عميقًا لا يهدأ، وأملًا لا ينطفئ في استعادة كل شبر من أرض الوطن. كانت سيناء في تلك السنوات عنوانًا للصمود، وكانت رمالها ووديانها وجبالها تحفظ أسرار رجال آمنوا بأن الاحتلال مهما طال عمره لا يستطيع أن ينتزع من الإنسان حقه في وطنه، ولا أن يمحو من ذاكرته انتماءه إلى أرضه. وفي قلب هذه الظروف العصيبة، ظهر الدور الوطني لأبناء سيناء الذين لم يتعاملوا مع أرضهم باعتبارها مجرد مكان يعيشون فيه، وإنما باعتبارها أمانةً يحملونها في أعناقهم، وتاريخًا يتوارثونه جيلًا بعد جيل.
وُلدت البطولة الحقيقية في سيناء من رحم الحياة الصعبة، ومن طبيعة أرضٍ تحتاج إلى الصبر والخبرة والقدرة على التحمل، ومن مجتمعٍ عرف أهله دروب الصحراء ومسالكها، وتعلموا كيف يواجهون قسوة الطبيعة بإرادة قوية وقلوب لا تعرف الاستسلام. ومن هنا تبرز أهمية الرواية المتداولة عن المجاهد سالم حسن سلامة أبو راشد المسعودي، التي تشير إلى مشاركته في أعمال الاستطلاع وجمع المعلومات خلف خطوط العدو، بالتعاون مع الجهات المختصة بالقوات المسلحة المصرية. وهي رواية تستحق أن تحظى بالتوثيق الدقيق، حتى تتعرف الأجيال الجديدة على تفاصيل دوره، وعلى ما قدمه من جهود في واحدة من أصعب مراحل تاريخنا الوطني.
لقد كانت معرفة أبناء سيناء بأرضهم عنصرًا مهمًا في مساندة المجهود الحربي المصري خلال سنوات الاحتلال وحرب الاستنزاف، فالأرض التي يعرفها ابنها معرفةً دقيقة لا تكون بالنسبة إليه صحراء صامتة، وإنما صفحات مفتوحة يقرأ فيها آثار الحركة، ويعرف دروبها، ويدرك طبيعة الحياة فوقها. وقد أسهم أبناء سيناء، كلٌّ وفق موقعه وإمكاناته، في دعم وطنهم خلال تلك المرحلة، وظلت بطولاتهم شاهدًا على أن الدفاع عن مصر لم يكن مسؤولية الجندي الذي يحمل السلاح وحده، بل مسؤولية كل مصري استطاع أن يقدم لوطنه ما يملك من جهد وخبرة وإخلاص.
ولذلك فإن ذكر سالم أبو راشد المسعودي يفتح أمامنا بابًا واسعًا للحديث عن رجالٍ ربما لم تتصدر أسماؤهم صفحات الكتب بالقدر الذي تستحقه، لكن تاريخ الوطن لا يُكتب بالمعارك الكبرى وحدها، وإنما تكتبه أيضًا الجهود التي سبقت المعارك، والتضحيات التي جرت بعيدًا عن الأضواء، والأعمال التي لم يكن أصحابها يبحثون من ورائها عن شهرة أو مكسب، بل كانوا يرون أن واجبهم تجاه مصر أكبر من كل اعتبار.
وحين نتحدث عن المجاهد سالم أبو راشد المسعودي، فإننا نتحدث كذلك عن قبيلة المساعيد الكريمة، وعن أبناء القبائل السيناوية الذين ارتبطت حياتهم بالأرض، وتوارثوا قيم الشهامة والوفاء وإغاثة الملهوف والتمسك بالكرامة. فالقبائل ليست مجرد أسماء أو أنساب، وإنما هي مجتمعات لها تاريخها وعاداتها وذاكرتها، وفي أوقات المحن تظهر معادن الرجال، ويتجلى معنى الانتماء الحقيقي حين تتقدم مصلحة الوطن على كل مصلحة أخرى.
وقبيلة المساعيد، بما تحمله من امتداد اجتماعي وتاريخي بين أبنائها، تستحق أن يُروى تاريخ رجالها الذين أسهموا في خدمة مصر، وأن تُجمع الشهادات والوثائق المتعلقة بمن شاركوا في مقاومة الاحتلال ومساندة القوات المسلحة، سواء من المجاهدين الذين رحلوا عن دنيانا أو من الأحياء الذين لا يزالون يحملون في ذاكرتهم تفاصيل تلك السنوات. فهؤلاء الرجال يمثلون جزءًا من الذاكرة الوطنية التي ينبغي ألا تضيع، لأن ضياع الحكايات يعني أن أجيالًا جديدة قد تعرف أسماء المعارك، لكنها لا تعرف وجوه الناس الذين عاشوا ظروفها، ولا تدرك حجم التضحيات التي قدمها أبناء الأرض دفاعًا عن وطنهم.
إن الوفاء لقبيلة المساعيد لا يكون بالمبالغة في رواية الأحداث، ولا بمجرد إطلاق الألقاب، بل يكون بحفظ أسماء أبنائها، وتوثيق أعمالهم، وإبراز ما ثبت من بطولاتهم، وإتاحة المجال لكبار السن والشهود لتقديم رواياتهم، مع جمع الصور والمستندات والشهادات الرسمية التي تعين الباحثين على كتابة تاريخ متكامل. وبهذه الطريقة يصبح التكريم أكثر رسوخًا، وتتحول الذكريات الفردية إلى سجل وطني يستطيع الأبناء والأحفاد الرجوع إليه والاعتزاز به.
ولم تكن بطولة أبناء سيناء حكاية رجل واحد، مهما بلغت مكانته، وإنما كانت جزءًا من قصة وطنية أوسع شارك فيها رجال كثيرون، بعضهم معروف لدى أسرته وقبيلته، وبعضهم ورد اسمه في شهادات محلية، وبعضهم لا تزال قصته بحاجة إلى البحث والتوثيق. لقد عاش أبناء سيناء سنوات الاحتلال في ظروف قاسية، وشهدوا تغيرات كبيرة في حياتهم اليومية، لكن ارتباطهم بأرضهم ظل أقوى من محاولات فرض الأمر الواقع عليهم.
وفي سنوات حرب الاستنزاف، ثم خلال حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، برزت أهمية الدور الذي أداه أبناء سيناء في مساندة مصر، إلى جانب الدور المحوري الذي قامت به القوات المسلحة في التخطيط والقتال وتحقيق العبور. وقد تعددت صور المساندة الوطنية، واختلفت من شخص إلى آخر بحسب الظروف والإمكانات، لكن القاسم المشترك بينها كان الإيمان بأن سيناء أرض مصرية، وأن استعادتها حق لا يسقط بمرور الزمن.
وإذا كانت بطولات بعض المجاهدين قد حظيت بالتوثيق والشهادات، فإن هناك أسماء أخرى تحتاج إلى مزيد من البحث، ومن بينها أسماء يتداولها أبناء القبائل باعتزاز، ويرون أنها تستحق أن تجد مكانها اللائق في سجل التاريخ. ومن واجبنا أن نمنح هذه الروايات الاهتمام الذي تستحقه، لا أن نتركها تتوارثها المجالس شفهيًا حتى تنال منها السنوات، وتضيع معها تفاصيل ربما كانت كفيلة بإلقاء الضوء على جانب مهم من تاريخ سيناء.
إننا حين نتحدث عن المجاهدين الشهداء من أبناء المساعيد، فإننا نستحضر معنى التضحية والفداء، ونؤكد أن من فقدوا حياتهم في سبيل وطنهم يستحقون الوفاء والدعاء والتكريم. وحين نتحدث عن المجاهدين الأحياء، فإننا نتحدث عن ذاكرة وطنية تمشي بيننا، وعن رجال يمكن أن يقدموا للأجيال الجديدة شهادات ثمينة عن الحياة في سنوات الاحتلال، وعن ظروف المقاومة، وعن مشاعر الناس وهم ينتظرون عودة سيناء إلى حضن مصر.
ولهذا ينبغي أن تتوجه الجهود إلى حصر أسماء هؤلاء الرجال، وتحديد ما قام به كل منهم وفق المعلومات المتاحة، وتسجيل شهاداتهم بالصوت والصورة، وحفظها في سجلات محلية ووطنية، حتى لا يظل تاريخهم حبيس الذاكرة العائلية أو الرواية الشفهية وحدها. فكل مجاهد له حكاية، وكل حكاية قد تحمل تفصيلًا مهمًا يساعد على فهم مرحلة كاملة من تاريخ الوطن.
لم تكن استعادة سيناء حدثًا عابرًا في تاريخ مصر، بل كانت ثمرة مسيرة طويلة من الصمود والعمل والتضحيات، شاركت فيها مؤسسات الدولة والقوات المسلحة وأبناء الشعب المصري، وكان لأبناء سيناء دورهم الوطني في ظروف الاحتلال وما ارتبط بها من تحديات. وقد جاءت حرب أكتوبر عام 1973 لتثبت أن الإرادة المصرية قادرة على تغيير الواقع، وأن الهزيمة ليست نهاية الطريق ما دام هناك شعب يتمسك بحقوقه وجيش يستعد لاستعادة كرامة وطنه.
وعندما نتذكر العبور العظيم، ينبغي ألا نتوقف عند مشاهد عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف فحسب، بل علينا أن نتذكر كذلك كل جهد أسهم في إعداد الطريق إلى النصر، وكل مصري أدى واجبه في موقعه، وكل أسرة تحملت مشاق تلك السنوات، وكل رجل عاش على أرض سيناء وظل قلبه متعلقًا بيوم تعود فيه الأرض إلى أصحابها. فالتاريخ الوطني منظومة متكاملة من الأدوار والتضحيات، ولا يكتمل فهمه إلا حين نرى الصورة بكل أبعادها.
ومن هنا تأتي أهمية توثيق سيرة سالم حسن سلامة أبو راشد المسعودي، باعتبارها جزءًا من الذاكرة التي يسعى أبناء سيناء إلى حفظها ونقلها إلى الأجيال القادمة. فالمطلوب ليس أن نضيف إلى التاريخ ما لم يحدث، وإنما أن نبحث عما حدث بالفعل، وأن نمنح كل صاحب دور حقه، وأن نعيد قراءة الشهادات والوثائق حتى تتضح تفاصيل البطولات التي ربما لم تنل ما تستحقه من اهتمام.
إن الأجيال الجديدة تحتاج إلى معرفة أن حب الوطن ليس كلمات تُقال في المناسبات، ولا أعلامًا تُرفع في الاحتفالات وحدها، بل هو عمل ومسؤولية ووعي وتضحية، وأن المصري الذي يخدم وطنه بإخلاص يترك أثرًا قد يمتد إلى ما بعد رحيله بعشرات السنين. وهذه هي الرسالة التي يمكن أن تحملها سيرة كل مجاهد من أبناء سيناء، سواء كان من الشهداء الذين رحلوا، أو من الأحياء الذين لا يزالون شهودًا على زمن مختلف من تاريخ مصر.
إن تكريم المجاهدين الشهداء لا ينبغي أن يقتصر على كلمات الرثاء، كما أن تقدير المجاهدين الأحياء لا ينبغي أن ينتظر حتى يرحلوا عن دنيانا. فهؤلاء يستحقون أن تُروى سيرهم في حياتهم، وأن تُسمع شهاداتهم، وأن يُعرَّف الأبناء والأحفاد بما قدموه، وأن تجد أسرهم التقدير المعنوي اللائق بما ارتبط بتاريخها من جهود وطنية.
ومن هنا، فإننا ندعو أبناء قبيلة المساعيد في سيناء وخارجها، وكل المهتمين بتاريخ المنطقة، إلى التعاون في إعداد سجل موثق لأسماء المجاهدين الذين أسهموا في خدمة الوطن خلال سنوات الاحتلال وحرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، مع التمييز بين الشهادات الموثقة والروايات التي لا تزال بحاجة إلى التحقق. كما ينبغي التواصل مع أسر المجاهدين، وجمع الصور والوثائق والمذكرات، والاستفادة من شهادات رفاقهم وكل من عاصروا تلك المرحلة، حتى تتكون مادة تاريخية تحفظ الحقائق وتصون الأمانة.
ومن المهم كذلك أن يصل هذا التاريخ إلى المدارس والأنشطة الثقافية والمبادرات الشبابية، لأن أبناء اليوم هم الذين سيحملون مسؤولية الغد، ومن حقهم أن يعرفوا أن سيناء لم تكن يومًا مجرد مساحة جغرافية على خريطة مصر، وإنما كانت أرضًا يعيش عليها رجال ونساء تشكلت حياتهم من الصبر والعمل والتمسك بالهوية الوطنية.
إننا لا نكرم سالم أبو راشد المسعودي وحده حين نكتب عنه، بل نكرم من خلال سيرته كل رجل من أبناء سيناء وضع مصلحة وطنه في مقدمة اهتماماته، وكل شهيد قدم حياته من أجل مصر، وكل مجاهد بقي حيًا يحمل في ذاكرته حكايات تستحق أن تُروى. ونكرم أيضًا كل أسرة احتفظت بذكرى ابنها، وكل ابن أو حفيد يسعى إلى معرفة تاريخ أجداده وحفظه من النسيان.
يا سالم حسن سلامة أبو راشد المسعودي، يا ابن سيناء التي تعرف معنى الصمود، ويا ابن قبيلة المساعيد الكريمة، إن الأوطان لا تنسى أبناءها الذين ارتبطت أسماؤهم بمرحلة من مراحل الدفاع عن أرضها، وإن كانت بعض الحكايات لا تزال بحاجة إلى التوثيق، فإن الاهتمام بها هو بداية الطريق نحو حفظ الذاكرة الوطنية وصونها من الضياع. وستظل سيناء بما تحمله من تاريخ ورجال وتضحيات صفحة أصيلة في وجدان مصر، وستظل بطولات أبنائها جديرة بالبحث والإنصاف والتقدير.
تحية إلى كل مجاهد من أبناء قبيلة المساعيد الكرام، إلى الشهداء الذين رحلوا وتركوا سيرتهم أمانة في أعناق أبنائهم، وإلى الأحياء الذين ما زالوا يحملون ذكريات النضال والعمل الوطني. تحية إلى كل رجل أدى واجبه في صمت، ولم ينتظر جزاءً أو شكورًا، وإلى كل أسرة علمت أبناءها أن الأرض ليست للبيع، وأن الكرامة لا تُشترى، وأن حب مصر لا تحدده المسافات ولا تغيره الظروف.
رحم الله المجاهد سالم حسن سلامة أبو راشد المسعودي، ورحم الله كل شهداء مصر الذين ضحوا بأرواحهم دفاعًا عن الوطن، وحفظ الله المجاهدين الأحياء، وأطال أعمارهم في الخير والصحة والعافية، وجعل ما قدموه من جهود وطنية في ميزان حسناتهم.
ستبقى سيناء مصرية، وسيبقى أبناؤها جزءًا أصيلًا من روحها، وستظل قبيلة المساعيد الكريمة، كسائر قبائل مصر الوطنية، شريكًا في حكاية الانتماء والصمود والوفاء. فالأوطان قد تحفظ أسماء أبطالها في الكتب، لكن الشعوب الوفية تحفظهم في القلوب، وهناك، في أعماق الوجدان المصري، لا تموت حكايات الرجال الذين أحبوا مصر بصدق، وعاشوا من أجلها، وتركوا للأجيال من بعدهم درسًا خالدًا في معنى الوطنية.