حوار/ أسماء مالك
هناك لحظات في عمر الأوطان لا تمرّ كغيرها من الأيام؛ لحظات تختبر فيها الشعوب قدرتها على النهوض، ويصبح الثبات فيها فعلًا من أفعال البطولة.
والسادس من أكتوبر عام 1973 كان واحدًا من تلك الأيام التي بقيت راسخة في ذاكرة المصريين؛ يوم عبر فيه الجنود المصريون قناة السويس، وبدأت معركة استعادة الأرض، في يوم ارتبط في الوجدان المصري بالعزة والكرامة.
لكن خلف العبور، وخلف الخطط والخرائط والقرارات العسكرية، حكايات رجال عاشوا الحرب قبل أن تبدأ، وذاقوا قسوة الجبهة خلال سنوات حرب الاستنزاف، وانتظروا طويلًا لحظة طال انتظارها... لحظة العبور.
رجال لم تكن البطولة بالنسبة إليهم كلمة تُقال، وإنما مسؤولية عاشوها كل يوم؛ تدريبًا وانضباطًا وتضحية، حتى وجدوا أنفسهم في السادس من أكتوبر أمام حلم طال انتظاره، ولحظة لا مجال فيها للتردد.
وضيفنا اليوم واحد من هؤلاء الرجال؛ اللواء/ يسري أمير، ضابط سلاح المدرعات، الذي بدأ رحلته العسكرية في سن مبكرة، وعاش سنوات من خدمته على الجبهة، قبل أن يشهد بنفسه واحدة من أهم اللحظات في التاريخ العسكري المصري الحديث؛ لحظة العبور.
في هذا اللقاء، لا نكتفي بما تقوله الكتب والسجلات عن حرب أكتوبر، بل نقترب من التفاصيل التي لا تستطيع الوثائق وحدها نقلها؛ نعود معه إلى أيام الجبهة قبل الحرب، وإلى حياة الجنود تحت ضغط الانتظار، وإلى اللحظة التي عرف فيها أن ساعة الصفر قد حانت، وإلى ما رآه وسمعه وعاشه بنفسه في السادس من أكتوبر.
هذه ليست رواية منقولة من كتاب، وإنما شهادة شاهد عيان.
ومن ذاكرة بطل عاش واحدة من أهم صفحات تاريخ مصر، نفتح اليوم صفحات الحكاية.
السؤال: سيادة اللواء، في البداية، يشرفنا الحديث معكم في ذكرى حرب أكتوبر المجيدة، ونستأذنكم في تقديم بطاقة تعريفية للجمهور عن أصولكم ونشأتكم والأسرة التي نشأتم فيها.
اللواء يسري أمير:
أهلًا وسهلًا بكم. إنه لمن دواعي سروري أن أتحدث عن هذه الذكريات الغالية على قلب كل مصري.
أنا يسري عبده محمود أمير، وأصولي الممتدة أبًا عن جد تعود إلى قرية «قرشة»، التابعة لمحطة كلابشة بمركز كوم أمبو بمحافظة أسوان. فأنا نوبي أصيل، وأعتز بجذوري النوبية المصرية أشد الاعتزاز.
التحقت بالكلية الحربية في سن مبكرة جدًا، وكنت في السابعة عشرة من عمري، وتخرجت فيها في سن التاسعة عشرة، مستهلًا مسيرتي العسكرية ضمن «الدفعة 55 مدرعات».
وتدرجت بعد ذلك في العديد من الوظائف القيادية الميدانية والإدارية؛ فبدأت قائد فصيلة في الفرقة الرابعة المدرعة، ثم خدمت في اللواء 25 مدرع، وتوليت قيادة سرية في الكتيبة 203 باللواء 14 مدرع، ثم خدمت في جهاز الشرطة العسكرية، وانتقلت بعد ذلك إلى الشؤون المالية بالقوات المسلحة، ثم وزارة النقل، وصولًا إلى قطاع الطيران المدني، حيث كان آخر منصب لي مستشارًا لوزير الطيران المدني.
أما على الصعيد الأسري، فزوجتي السيدة بدرية عبد الرحمن، وهي سعودية الجنسية بالأصل، وحصلت على الجنسية المصرية.
وقد رزقنا، بفضل الله، بمحمد يسري، الذي عمل في شركة «مصر للطيران»، وانتقل حاليًا للعمل بشركة «إير كايرو»، وابنتي السيدة مروة يسري، التي تعمل بالشركة القابضة للمطارات والملاحة الجوية.
السؤال: كيف أثرت هذه النشأة العسكرية المبكرة والانضباط الصارم في مسار العائلة وتربية الأبناء؟
اللواء يسري أمير:
تخرجي في الكلية الحربية في سن التاسعة عشرة جعل سلوكياتي وشخصيتي تُصاغ بأكملها داخل أروقة الانضباط العسكري الصارم.
وهذا الأسلوب انعكس تلقائيًا على منظومة الحياة الأسرية؛ فأبنائي ينتهجون النهج نفسه القائم على قاعدة «قليل الكلام، كثير العمل». فلا مجال للحديث المرسل دون إنتاج أو إنجاز ملموس.
هناك حدود واضحة ومحترمة في التعامل مع الآخرين، وانضباط ذاتي في مختلف مناحي الحياة، وأحمد الله كثيرًا على هذه التنشئة التي أثمرت أبناءً يتحملون المسؤولية بوعي وجدية.
السؤال: سيادة اللواء، عدتم إلى السلاح في ظروف استثنائية عقب نكسة يونيو 1967. كيف كانت كواليس تلك الفترة، وكيف كانت الظروف القتالية على خط النار؟
اللواء يسري أمير:
الملحمة الحقيقية التي خضناها تمثلت في سنوات حرب الاستنزاف الست، وليس فقط في يوم العبور.
لقد كانت سنوات قاسية وممتدة. أدينا امتحانات الثانوية العامة في أعقاب نكسة 5 يونيو 1967، بعد أن توقفت لعدة أيام وتأجلت، ثم استكملت وسط أجواء بالغة القسوة.
وعلى الرغم من قيدي بكلية الألسن، والتحاق زملائي بكليات مثل الطب والتجارة، فإننا تركنا الكليات المدنية ولبينا نداء الواجب الوطني بالانضمام إلى الكلية الحربية لإعادة بناء الجيش.
وحملت ثلاث أو أربع دفعات من الضباط الشباب عبء الجبهة كقادة سرايا وفصائل. كنا نذهب لنقضي 26 يومًا شهريًا بين الرمال والجبال دون أن نرى الأسفلت.
وكانت رحلات الانتقال تتم عبر قطارات ننطلق بها من «كوبري الليمون» برمسيس، ويتم إظلامها بالكامل، وطلي إضاءتها باللون الأزرق لمنع استهدافها من جانب طيران العدو.
السؤال: صف لنا طبيعة الحياة اليومية داخل الحفر، وكيف كنتم تتعاملون مع غارات العدو أثناء بناء قواعد الصواريخ؟
اللواء يسري أمير:
كانت الحياة في غاية القسوة. كنا نعيش في حُفَر رملية، وننام تحت الدبابات.
أما مخصصات المياه، فكانت تتلخص في مجيء سيارة تحمل خزان «تنك مياه» كل ثلاثة أيام، ليُزوَّد كل فرد بجركن سعة 20 لترًا فقط، يُستغل في الشرب والطهي والنظافة الشخصية وقضاء الحاجة.
وفي نطاق عملنا بالفرقة الرابعة، كانت الخسائر كبيرة جدًا، خصوصًا في صفوف المدنيين البواسل الذين كانوا يبنون قواعد الصواريخ تحت الغارات الجوية العنيفة للعدو، لتغطية عبور القوات المسلحة.
كنا نخرج يوميًا من الفجر بدبابة التدريب، لنُدرِّب الجنود والضباط في الجبل حتى المغرب، ثم نعود ووجوهنا مغطاة بطبقات من التراب والعرق، تشبه الأقنعة من عادم الدبابة والغبار، لننام ساعات قليلة ونستأنف العمل صباحًا.
سؤال: سيادة اللواء، كيف كانت محطات خدمتكم الميدانية قبيل الحرب؟ ومتى عرفتم أن ساعة العبور قد حانت؟ ومتى دخلت وحدتكم إلى الضفة الشرقية؟
اللواء يسري أمير:
بعد خدمتي الميدانية كقائد فصيلة في الفرقة الرابعة واللواء 25 مدرع، تمت ترقية ربع الدفعة إلى رتبة نقيب في يناير 1973، وبناءً على هذه الترقية كُلفت بمسؤولية قيادة سرية دبابات في الكتيبة 203، اللواء 14 مدرع، الفرقة 21 مدرعة.
في يوم السادس من أكتوبر، ساد كتمان وسرية مطلقة حتى الساعة 12 ظهرًا، حيث لم نكن نعلم بموعد العبور الفعلي.
وبعد الظهر، تم تجهيز الوحدات، وانطلقت الضربة الجوية في تمام الساعة 2:05 ظهرًا.
ونظرًا لأن تشكيلنا، الفرقة 21 مدرعة، كان يمثل الاحتياطي الاستراتيجي المكلف بالاندفاع في رؤوس الشواطئ لدعم قوات النسق الأول من كتائب المشاة، فقد عبرت كتيبتي من «معدية 6» بالإسماعيلية في حدود الساعة السادسة مساءً، مع غياب الشمس.
سؤال: ما أبرز مشاهداتكم الميدانية للتحديات التي واجهت القوات أثناء التعامل مع خط بارليف؟ وكيف كانت المواجهة مع مدرعات العدو رغم الفارق التكنولوجي؟
اللواء يسري أمير:
خط بارليف كان من أعتى الحصون، ويتكون من ساتر ترابي شاهق الارتفاع ومانع مائي صعب.
وأظهر رجال المشاة بطولات غير عادية؛ حيث ارتقوا الساتر الترابي وهم يحملون مدافع ثقيلة الوزن مثل B-10 وB-11 على أكتافهم لتدمير نقاط العدو القوية.
أما بالنسبة لنا كدبابات، فكان يستحيل العبور إلا بعد فتح الثغرات بالمضخات المائية في الساتر الترابي لإنشاء المعابر.
أما عن المواجهة التكتيكية، فقد كان هناك فارق تكنولوجي لصالح العدو؛ فالدبابات الإسرائيلية كانت مزودة بأجهزة قياس مدى بالليزر، حيث يرسل الشعاع إلى الهدف فيحدد المسافة أوتوماتيكيًا، ثم تُطلق القذيفة.
أما نحن فكنا نعتمد على السلاح الروسي القياسي. ورغم صلابته وقدرته القتالية، فإنه كان يتطلب مجهودًا شاقًا ورماية يدوية تعتمد بدرجة كبيرة على مهارة الضابط والموجه.
كنا ندرب الجندي والضابط على حساب المسافات باستخدام التلسكوب يدويًا، وتقدير شبكية الرماية وفقًا لشكل وحجم دبابة العدو الظاهرة في العدسة.
وكان الخطأ في تقدير المسافة يؤثر في دقة الإصابة، لكننا، بفضل التدريب الشاق خلال سنوات الاستنزاف، أصبحنا نحدد المسافات بدقة ونحقق إصابات مباشرة.
سؤال: سيادة اللواء، تخرجتم ضمن «الدفعة 55»، وكان لزملائكم بطولات خالدة على الجبهة. هل تطلعنا على تفاصيل توزيعكم واللحظات الأخيرة لأبرز الشهداء من زملائكم؟
اللواء يسري أمير:
عقب تخرجنا من الكلية الحربية، قضينا ثلاثة أيام فقط، ثم صدرت الأوامر بتوجيه خمسة ضباط منا، وكنا من أوائل الدفعة 55 مدرعات، إلى مقر قيادة الفرقة الرابعة.
وهناك استقبلنا قائد الفرقة، العميد عبد المنعم واصل، وجلس معنا وتناول الغداء معنا، وقدم لنا تلقينًا قياديًا حول إدارة المرؤوسين واليقظة.
وكان الخمسة الأوائل هم:
عاطف عبد الباقي، الأول على الدفعة بالمدرعات.
عادل حازم النهري، الثاني على الدفعة.
سامي سعد مصطفى خضير، الثالث.
يسري أمير، الرابع.
وفوزي سليمان خليفة، الخامس.
ووزعنا القائد؛ فذهبت أنا وسامي خضير وفوزي خليفة إلى اللواء الثاني المدرع، بينما ذهب عادل حازم النهري وعاطف عبد الباقي إلى اللواء الثالث المدرع بالفرقة الرابعة.
سؤال: ماذا عن المشاهد الخالدة لتضحيات هؤلاء الشهداء في المعارك؟
اللواء يسري أمير:
الشهيد عادل حازم النهري، شقيق الفنان طارق النهري، أصيبت دبابته في «ممر متلا»، ورفض الخروج منها، وظل يقاتل من داخلها حتى احترقت واستشهد بداخلها.
أما الشهيد عاطف عبد الباقي، فقد استشهد عند الكيلو 109 طريق السويس؛ حيث كان يتقدم برأس فصيلته لتنفيذ عملية «استطلاع بالقتال» لمعرفة حجم دبابات العدو التي وصلت إلى الطريق.
واشتبك معهم وأصيب، ونُقل إلى ملجأ حربي، حيث فاضت روحه شهيدًا.
أما سامي خضير فقد نجا، وفوزي خليفة توفاه الله لاحقًا وفاة طبيعية.
سؤال: "أبطال أكتوبر" كيف تعايشتم مع هذا اللقب؟
اللواء يسري أمير:
أقولها بكل تجرد: ليس هناك شيء اسمه «ضابط بطل» بمفرده. البطل الحقيقي والوحيد لهذه الملحمة هو الشعب المصري.
الشعب هو الذي أنجب هؤلاء الشباب، وربانا على الصبر والتحمل، وتحمل سنوات التهجير لمدن القناة، الإسماعيلية والسويس وبورسعيد، والمعاناة المادية الشديدة.
في عام 1967، لم يكن هناك عسكري واحد يدافع في الطريق المفتوح من القناة إلى القاهرة، لكن خوف العدو الإسرائيلي من هيبة وصمود الشعب المصري منعه من التفكير في التقدم نحو القاهرة.
إن الشعب الذي قبل أن يعيش أبناؤه في الصحراء وتحت الدبابات وفي الحفر، هو الصانع المادي والمعنوي للنصر.
سؤال: سيادة اللواء، كيف سار مساركم المهني والعلمي عقب انتهاء العمليات العسكرية، خصوصًا بعد تعرضكم للإصابة؟
اللواء يسري أمير:
بعد الحرب، ونتيجة لإصابة حربية في السبعينيات، تم تكليفي بالعمل كبيرَ معلمين على جهاز المحاكي «Simulator» لتدريب ضباط الكلية الحربية والجنود، بالإضافة إلى تدريب كبار الضباط العرب.
وتدرب تحت يدي ضباط برتبة لواءات من اليمن والسودان على قيادة الدبابات والرمايات المتقدمة، وهو ما عكس دور مصر في نقل الخبرة العسكرية إلى أشقائها العرب.
وخلال هذه الفترة، استغللت القرار الذي كان يسمح للمصابين العسكريين بالالتحاق بالجامعات، فدرست في كلية الآداب أولًا، ثم عدلت المسار وحصلت على بكالوريوس التجارة، لتأسيس خلفية مالية وإدارية قوية.
بعد ذلك، انتقلت للعمل بالشرطة العسكرية قائدًا للسرية 28.
وعقب حادثة اغتيال الرئيس السادات، تم انتداب مجموعة من ضباط الشرطة العسكرية إلى القوات الجوية، فكنت من بينهم، وتنقلت في الشؤون المالية بالقوات الجوية حتى توليت منصب «رئيس الشعبة المالية بالقوات الجوية».
وكنت مرشحًا لمنصب نائب رئيس الشؤون المالية للقوات المسلحة، قبل أن يتم انتقالي إلى وزارة النقل نائبًا لرئيس هيئة ميناء القاهرة الجوي للشؤون المالية.
سؤال: تحولتم بعد ذلك إلى قطاع الطيران المدني في مرحلة فارقة شهدت فصل القطاع عن وزارة النقل. ما أبرز الإنجازات الهيكلية والمشروعات التي أشرفتم عليها؟
اللواء يسري أمير:
عملت في البداية بوزارة النقل مع الدكتور الدوميري على ملف تمويل مبنى الركاب رقم 3 بمطار القاهرة.
وعقب حادث قطار الصعيد، صدر قرار بفصل قطاع الطيران وتأسيس وزارة الطيران المدني برئاسة الفريق أحمد شفيق، وصدر أول قرار بتعييني وكيلًا أول للوزارة ورئيسًا للقطاعات المالية والاقتصادية.
كانت الوزارة وقتها تعاني من خسائر مالية ضخمة تناهز نصف مليار جنيه، أي 500 مليون جنيه.
فقمت بدمج الضبط المالي العسكري بالمرونة الاقتصادية المدنية، وأعدنا هيكلة التنظيم المالي بالكامل، وأنشأنا شركات صغيرة تعمل بنظام «مراكز مراقبة التكلفة والربحية» (Cost & Profit Centers)، لمتابعة أداء كل قطاع بدقة، دون التسبب في جمود إداري.
وبفضل الله، تحولت الوزارة من الخسائر الدفترية إلى أرباح صافية، ولم تسجل شركة مصر للطيران خسائر خلال تلك الفترة.
ومن أبرز الإنجازات الهيكلية والميدانية التي شاركت فيها:
إنشاء مبنى الركاب رقم 3 بمطار القاهرة.
تطوير مبنى الركاب رقم 1.
تأسيس صالة 4 المخصصة للطيران الخاص وكبار الزوار.
قيادة مفاوضات وتوقيع انضمام شركة مصر للطيران إلى تحالف «ستار ألاينس» (Star Alliance).
توقيع اتفاقية إنشاء مطار برج العرب الدولي بالتنسيق والتمويل مع بنك «جيبك» الياباني (JICA/JIBIC).
توقيع اتفاقية تطوير مطار شرم الشيخ الدولي، الذي صُمم على شكل سفينة كقطعة فنية.
تطوير وافتتاح مطاري الأقصر وأسوان الدوليين، حيث وُضعت اللبنات الأولى والتأسيس في عهد رئيس هيئة الموانئ الراحل اللواء عبد الفتاح قاضي، وأكمل الفريق الجديد المشروع وتم افتتاحه بتصميم المهندس فاروق الجوهري، في نموذج يجسد وفاء الأجيال الإدارية وتواصلها.
واستمر عطائي وكيلًا أول للوزارة حتى تقاعدت عام 2009، لأعمل مستشارًا لوزير الطيران، ثم كُلفت خلال أحداث عام 2011 بإدارة «الشركة المصرية لخدمات الطيران» لمدة عامين لاستعادة استقرارها.
سؤال: سيادة اللواء، بعد هذه الرحلة الطويلة التي امتدت من الخدمة الميدانية وحرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، إلى مواقع المسؤولية في القوات المسلحة وقطاع الطيران المدني، حدثنا عن الأوسمة والتكريمات التي حصلتم عليها خلال مسيرتكم؟
اللواء يسري أمير:
حصلت خلال خدمتي على عدد من الأوسمة والأنواط وشهادات التقدير، من بينها:
وسام الجمهورية من الطبقة الثانية.
ميدالية 6 أكتوبر.
ميدالية الخدمة الطويلة والقدوة الحسنة من الطبقة الأولى.
شهادة الخدمة الممتازة من الطبقة الأولى.
شهادة تقدير من قائد الجيش الثاني الميداني.
شهادة تقدير وامتياز من قائد القوات الجوية.
كأس التفوق من مدير الشرطة العسكرية.
بالتأكيد تختصر هذه التكريمات جانبًا من مسيرة طويلة امتدت لسنوات من الخدمة والمسؤولية، وشهدت الانتقال من ميادين القتال إلى مواقع القيادة والعمل الإداري في القوات المسلحة وقطاع الطيران المدني.
وبعد هذه الرحلة، نصل إلى سؤالنا الأخير، ليس عن الماضي هذه المرة، وإنما عن المستقبل..
سؤال: سيادة اللواء، يمر على نصر أكتوبر اليوم أكثر من نصف قرن. ما كلمتكم التي توجهوها إلى شباب مصر الذين لم يعايشوا الحرب، ويواجهون اليوم تحديات مختلفة؟
اللواء يسري أمير:
أقول للشباب المصري: إنكم تعيشون اليوم في نعم جليلة يجب أن تقدروا قيمتها جيدًا.
بلادكم مصر بلد عظيم ومبارك، ولا أبالغ إن قلت إنها من أعظم بلدان العالم.
وأتذكر أن بعض المسؤولين الأمريكيين قالوا لي يومًا خلال لقاءات رسمية: «أنتم تعيشون في بلد يقع في منتصف العالم، لكن عليكم أن تستغلوا هذا الموقع صح».
مصر مليئة بالخيرات، و«مصر لسه لم تنضج بعد»، أي أنها لم تُخرج كل ما في بطنها من ثروات وطاقات.
كل ما نحتاجه هو أن نخلص في العمل، ونبتعد عن شغل التشتيت الذي أحدثته منصات «السوشيال ميديا».
إن الجبل الذي بنى وجداننا وأخلاقنا هو ذاك الجبل الذي قضينا فيه سنوات تحت الدبابات، بلا مياه كافية، وبلا رفاهية، وننام ولا نعلم هل سيخرج علينا عقرب أو ثعبان أو غارة جوية.
ورغم ذلك، كنا نحب بعضنا بعضًا ونخاف على بعضنا. فإذا كانت لدى أحدنا ظروف أسرية، يرفض زميله الإجازة ويقول له: «اذهب أنت لأسرتك وأنا سأبقى مكانك».
أنا أطالب الشباب بأن يكونوا «رجالة»، لأن الرجولة لا تُكتسب بالكلام، بل تتجلى في المواقف والأزمات.
معارككم اليوم مختلفة عن معاركنا؛ معركتكم هي تطوير أنفسكم وبناء البلد، لأن كل جهد تبذلونه اليوم سيعود بالنفع على أبنائكم غدًا.
تذكروا دائمًا أن هذه الأرض لم تأتِ بالمجان؛ أرض مصر مجبولة بدماء شهداء أطهار، وبأجساد مصابين يعيش بعضهم حتى اليوم بأطراف مبتورة أو إصابات بالغة، لكي يعيش الشعب المصري عزيزًا مكفول الكرامة في وطنه.
حافظوا على مصر، فهي أغلى وطن.
في ختام هذا الحوار، نتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى اللواء يسري عبده محمود أمير، الذي فتح لنا جانبًا من ذاكرته، واستعاد معنا تفاصيل من سنوات الجبهة وحرب الاستنزاف، ولحظات العبور، وحكايات رفاق السلاح الذين رحلوا شهداء.
هذه الشهادة ليست مجرد حديث عن حدث مضى، وإنما رواية رجل عاش تلك السنوات بنفسه، وحمل ذاكرة جيل عاصر الحرب من موقع المسؤولية، ثم واصل مسيرته في مجالات عسكرية وإدارية ومدنية مختلفة.
ومن ذاكرة بطل من أبطال أكتوبر، تبقى الحكاية مفتوحة أمام الأجيال الجديدة؛ حكاية وطن خاض أبناؤه معركة العزة والكرامة، ودفعوا ثمنها من أعمارهم ودمائهم، لتظل ذكرى أكتوبر واحدة من الصفحات البارزة في تاريخ مصر الحديث.
شكرًا للواء يسري أمير على هذه الشهادة، وعلى ما حملته من ذكريات وتجارب ودروس.
وشكرًا لكل من حمل السلاح دفاعًا عن الوطن، ولكل شهيد ومصاب، ولكل أسرة تحملت سنوات الحرب وانتظار الغائبين.
حفظ الله مصر وشعبها، ورحم شهداءها، وحفظ أبطالها.