صباح الخير يا إسماعيلية.. يوم جديد على ضفاف قناة السويس
حسين السمنودي
صباح الخير يا إسماعيلية.. صباح جديد تفتح فيه مدينة القناة عينيها على يوم آخر من أيامها، يوم يبدأ مبكرًا بحركة الناس في الشوارع، وأصوات السيارات، وطلاب المدارس، والموظفين والعمال، وأصحاب المحال، وكل هؤلاء الذين يصنعون بإيقاع حياتهم اليومية صورة الإسماعيلية التي لا تعرف السكون.
ومع بداية العام الدراسي الجديد، عادت المدارس في الإسماعيلية إلى الحياة من جديد، وعاد معها صوت الطلاب إلى الفصول وساحات المدارس، بعد فترة من الهدوء. وشهدت الشوارع في الساعات الأولى من الصباح حركة واضحة أمام المدارس، حيث خرج الطلاب بحقائبهم، ورافقهم أولياء الأمور، بينما بدأ المعلمون والإدارات المدرسية يومهم في متابعة انتظام العملية التعليمية وانضباط الطلاب.
وبداية الدراسة ليست مجرد عودة إلى المقاعد والفصول، وإنما هي بداية رحلة جديدة لآلاف الطلاب الذين يحملون أحلامًا مختلفة؛ فمنهم من يبحث عن التفوق، ومنهم من يخطو خطواته الأولى في طريق التعليم، ومنهم من يستعد لمرحلة تحدد جزءًا مهمًا من مستقبله. وهنا تظل مسؤولية المدرسة والأسرة والمعلم مسؤولية مشتركة، لأن صناعة طالب ناجح لا تتحقق بالكتاب والحصة وحدهما، وإنما تحتاج إلى تربية واهتمام وانضباط واكتشاف للمواهب والقدرات.
وتبقى الأنشطة الرياضية والثقافية والفنية جزءًا مهمًا من الحياة المدرسية، لأنها تمنح الطالب مساحة لاكتشاف نفسه بعيدًا عن أجواء الدروس والتحصيل، وتساعد على بناء شخصية متوازنة قادرة على المشاركة وتحمل المسؤولية والعمل الجماعي.
ومن المدارس إلى واحدة من أشهر علامات الإسماعيلية التي ارتبط اسمها بالمحافظة طوال عقود.. المانجو الإسماعيلاوي، التي يبدو أنها بدأت تلوح لنا من بعيد قائلة: خلاص يا جماعة، الصيف قرب يخلص!
ومع حلول منتصف سبتمبر، دخل موسم المانجو الإسماعيلاوي بالفعل مراحله الأخيرة، وإن كانت بعض الأصناف المتأخرة لا تزال موجودة في الأسواق بكميات محدودة، لتمنح عشاق المانجو فرصة أخيرة للاستمتاع بطعمها قبل أن تختفي تدريجيًا. وقد شهد الموسم هذا العام تنوعًا في الأصناف، وظلت المانجو الإسماعيلاوي حاضرة في الأسواق والطرق والمزارع، تحمل معها رائحة الصيف وذكرياته الجميلة.
والمانجو في الإسماعيلية ليست مجرد محصول زراعي يباع ويشترى، وإنما حكاية يعرفها كل بيت تقريبًا؛ فمع بداية الموسم تبدأ الرحلة بين المزارع والأسواق، وتنتشر الثمار بألوانها وروائحها، ويبدأ المواطن في رحلة البحث عن الصنف الذي يحبه، بينما يقف البائع يشرح لك أن هذه «عويس» وهذه «سكري» وهذه «زبدية» وهذه «كيت»، وكل واحدة لها عشاقها.
لكن الموسم الآن يقترب من الستار الأخير، وبعض الأصناف بدأت تقل في الأسواق، بينما تظل الأصناف المتأخرة حاضرة لفترة قصيرة. وكأن المانجو تقول لأهل الإسماعيلية: «استمتعوا بآخر أيام الصيف.. ونشوفكم السنة الجاية».
ومن جمال المانجو الإسماعيلاوي أن موسمها لا يرتبط بالفاكهة وحدها، بل يرتبط بذاكرة الناس؛ بفرحة الأطفال، وبجلسات الأسرة، وبالعصير البارد في أيام الحر، وبالمزارع التي ظلت طوال أشهر تحمل ثمارها في انتظار موسم الحصاد. ولهذا يكون رحيل المانجو في نهاية الموسم أشبه بوداع فصل كامل من فصول السنة.
ومن المانجو إلى ملف آخر لا يزال حاضرًا في المشهد الإسماعيلاوي، وهو ملف نقل العمالة الزراعية، خصوصًا بعد الحوادث المؤلمة التي شهدتها طرق المحافظة خلال الفترة الماضية، والتي جعلت قضية نقل العمال الزراعيين من الملفات التي تحتاج إلى متابعة حقيقية وإجراءات جادة تضمن سلامة هؤلاء الذين يخرجون في الصباح الباكر بحثًا عن لقمة العيش.
فالعامل الزراعي لا يطلب سوى وسيلة آمنة توصله إلى مكان عمله وتعيده إلى أسرته في نهاية اليوم، ولذلك فإن توفير وسائل نقل مناسبة وآمنة للعمالة الزراعية مسؤولية تتعلق بأرواح المواطنين، وليست مجرد إجراء إداري أو تنظيمي.
وفي ملف آخر، تواصل الأجهزة التنفيذية بالمحافظة جهودها في مواجهة التعديات على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة، ومتابعة المخالفات والتعامل معها وفق القانون، في إطار الحفاظ على الأراضي ومنع تحويل التعديات إلى أمر واقع. وتظل هذه الحملات بحاجة إلى استمرار ومتابعة، لأن حماية الأرض مسؤولية تتعلق بالحاضر والمستقبل معًا.
أما المواطن الإسماعيلاوي، فتظل عينه دائمًا على الخدمات التي تمس حياته بشكل مباشر؛ من النظافة والطرق والمياه والكهرباء، إلى الصحة والتعليم والمواصلات، فالمواطن يريد أن يرى أثر العمل في حياته اليومية، ويريد أن يجد استجابة حقيقية عندما يواجه مشكلة أو يحتاج إلى خدمة.
والإسماعيلية ليست مجرد مدينة عادية على خريطة مصر، فهي مدينة القناة التي ارتبط اسمها بتاريخ طويل من العمل والكفاح، وتحمل مكانة خاصة في وجدان المصريين. ولهذا فإن كل ما يحدث فيها يظل محل اهتمام أبنائها الذين يريدون أن يروا مدينتهم دائمًا في أفضل صورة.
ومع شروق كل صباح تبدأ حكاية جديدة؛ عامل يذهب إلى عمله، وموظف يتجه إلى مكتبه، وطالب يدخل مدرسته، ومعلم يقف أمام طلابه، وطبيب يبدأ نوبته، ورجل أمن يحرس الشوارع، وعامل نظافة يبدأ عمله قبل أن يستيقظ كثيرون. كل واحد من هؤلاء يؤدي دوره، وربما لا يشعر أحد بحجم ما يفعله، لكن مجموع هذه الجهود هو الذي يجعل المدينة تستمر وتتحرك.
صباح الخير يا إسماعيلية.. صباح على كل بيت فيها، وعلى كل أب وأم يحملان هم المستقبل، وعلى كل طالب يحمل حقيبته ويحلم بيوم أفضل، وعلى كل معلم يحمل رسالة قبل أن يحمل دفترًا، وعلى كل عامل خرج مبكرًا يبحث عن رزقه، وعلى كل إنسان يبدأ يومه بأمنية صغيرة بأن يكون الغد أفضل من اليوم.
صباح الخير على مدينة القناة التي عرفت عبر تاريخها معنى الصبر والعمل، وعلى أهلها الذين اعتادوا مواجهة الظروف والاستمرار في الطريق. فالحياة لا تتوقف عند مشكلة، والعمل لا يتوقف عند عقبة، والأمل لا ينتهي طالما هناك من ينهض كل صباح ويبدأ يومه من جديد.
ويبقى الأمل أن يكون كل صباح جديد في الإسماعيلية خطوة أخرى نحو الأفضل، وأن تتحول الخطط إلى نتائج، والمشكلات إلى حلول، والجهود إلى واقع يشعر به المواطن في حياته اليومية، وأن تظل أبواب المدارس مفتوحة للعلم، وأبواب العمل مفتوحة أمام الساعين إلى الرزق، وأن يشعر كل مواطن بأن مدينته تتحرك إلى الأمام.
صباح الخير يا إسماعيلية.. صباح الخير على مدينة تحمل في قلبها روح القناة، وفي ذاكرتها تاريخًا كبيرًا، وفي شوارعها ناسًا بسطاء يصنعون كل يوم حكاية جديدة من العمل والصبر والأمل.. صباح الخير على إسماعيلية وأهل إسماعيلية.