recent
أخبار ساخنة

بين مطارين.. أرواح على قيد الانتظار... /شيفاتايمز

بين مطارين: أرواحٌ على قيد الإنتظار
بقلم الكاتبة رئيسة الهلالي

​أن تقضي عمرك معلقًا بين مطارين، صالة توّدع فيها روحك وصالة تستقبل فيها غربتك، فتلك هي الحكاية التي لا يفهم مرارتها إلا من عاشها. يتحول المطار في حياة المغترب من مجرد مكان للعبور إلى محطة تختصر العمر كله؛ حقائب تُفتح وتُغلق، وجواز سفر يحمل ختم سنواتٍ تتسرب من بين يديك وأنت تنتظر لحظة العودة الحقيقية.
​تصل بك الأيام إلى هذه اللحظة الحاسمة، لا تملك فيها رفاهية التردد لحظة يتراجع فيها الشغف والأحلام الشخصية ليحل محلها الواجب المر. الغربة الحقيقية لا تبدأ برغبة في السفر أو حب للتغيير، بل تبدأ عندما تضيق بك السبل وتُغلق الأبواب، فتجد نفسك مجبراً على إتخاذ أصعب قرار: أن تحمل حقيبتك وتقتطع جزءاً من روحك بعيداً عن أحضان عائلتك وأطفالك، لأن بقاءك يعني العجز، ورحيلك هو الثمن الوحيد لتأمين حياة كريمة لهم.
​أقسى ما في هذا العمر المقضيّ بين مطار الذهاب ومطار الإياب هو شريط الوداع الذي لا ينتهي؛ تلك اللحظة التي توّدع فيها أطفالك وهم لا يفهمون بعد معنى "السفر". ينظرون إليك بعيون بريئة وتساؤلات تدمي القلب: "لماذا تتركنا؟"، فتبتلع غصتك وتعدهم برحلة قصيرة، بينما تعلم في داخلك أن الأيام ستسرقك من أجمل سنوات عمرهم. تتركهم ليكبروا بعيداً عن عينيك، وتفوتك ضحكاتهم الأولى، وخطواتهم الأولى، وحتى أزماتهم الصغيرة التي كان يتوّجب عليك أن تكون فيها السند والملجأ.
​في أرض الغربة، تشتد المعاناة وتتحول الأيام إلى طاحونة عمل لا تتوقف، والليل إلى مساحة ثقيلة من الصمت والأشتياق. يصبح الهاتف هو الشريان الوحيد الذي يربطك بالحياة؛ تنتظر المكالمة اليومية لتسمع تفاصيل يومهم، تتأمل صورهم وهي تتغير، وتكتم دمعتك حين تلاحظ أنهم يكبرون عبر الشاشات فقط. تتصنع الأبتسامة أثناء الإتصال كي لا تشعرهم بمرارة وحدتك، لتنهار كل تلك القوة الزائفة بمجرد إغلاق الخط.
​وما يزيد الطين بلة، هو نظرة المجتمع من حولك؛ فالناس غالبًا لا يرون إلا الظاهر. يحسبون الأرقام ويرسمون صوراً وردية لحياة يظنونها مرفهة، غافلين عن الثمن الباهظ الذي تدفعه من عمرك، روحك وصحتك. لا يعلمون أن الأموال التي يحسدونك عليها ليست سوى غلاف لروح تُستنزف كل يوم، وأن المال لا يعوّض دقيقة واحدة بعيداً عن دفء الأسرة. يجهل الكثيرون أن هذا "النعيم الظاهر" مدفوع من الأعصاب والوحدة القاتلة، وأن أقصى أمنياتك ليست جمع المال، بل جلسة دافئة على طاولة عائلتك تُعادل كنز الدنيا.
​لكن أعلم، أيها المغترب، أنك لست مجرد مسافر، بل أنت مُحارب حقيقي يقاتل من أجل من يحب. التنقل المتواصل بين صالات الانتظار وخطوتك التي تثقلها دموع الفراق ويدك التي تجهد في العمل هي وسام شرف حقيقي؛ فأنت لم تبتعد كبراً ولا رفاهية، بل لتصنع لأبنائك سقفًا يحميهم وغداً أفضل وأكثر أمانًا. كل لحظة تحمّل وكل ألم تكتمه هو إستثمار صادق في مستقبلهم، وتضحية صامتة سيعرفون قيمتها تمامًا حين يكبرون.
​فاللهم يا كاشف الهم ويا مؤنس كل غريب، كن للمغتربين سنداً وعونًا، وأنزل على قلوبهم الصبر والسكينة، وحصنهم بعينك التي لا تنام. اللهم هون عليهم مسافات البعد، وإجعل تعبهم في ميزان حسناتهم، وأجمع شملهم بأسرهم وأطفالهم على خير وعافية، سالمين غانمين إلى ديارها ومطمئنين.
google-playkhamsatmostaqltradent