د/حسين السمنودي
هناك فن لا يحتاج إلى ضجيج حتى يثبت وجوده، ولا يحتاج صاحبه إلى أن يرفع صوته حتى يسمعه الناس، لأن النغمة الصادقة تصل إلى القلب قبل أن تصل إلى الأذن، والإبداع الحقيقي يفرض نفسه بهدوء، تمامًا كما تفعل الموسيقى حين تتسلل إلى وجدان الإنسان دون استئذان. ومن هذه المساحة الجميلة يأتي الفنان وعازف البيانو كريم جوهر، الذي استطاع أن يصنع لنفسه مكانة خاصة في عالم الموسيقى، وأن يقدم تجربة تحمل مزيجًا مختلفًا من الإحساس والموهبة والثقافة والقدرة على الابتكار.
كريم جوهر ليس مجرد عازف يجلس أمام آلة البيانو ويحرك أصابعه فوق مفاتيحها، وإنما فنان ينظر إلى الموسيقى باعتبارها لغة كاملة لها روح وذاكرة وهوية، ولذلك استطاع أن يتعامل مع البيانو بطريقة مختلفة، فيجعل من آلة ذات جذور غربية مساحة واسعة لاستقبال اللحن الشرقي بكل ما يحمله من شجن ودفء وحنين وتفاصيل إنسانية لا تشبه أي موسيقى أخرى.
والجميل في تجربته أنه لم يدخل في صراع بين الشرق والغرب، ولم يحاول أن يجعل أحدهما ينتصر على الآخر، بل اختار طريقًا أكثر جمالًا وذكاءً، طريق اللقاء. جعل اللحن الشرقي يمد يده إلى الموسيقى الغربية، وجعل البيانو يستقبل المقام والإيقاع والإحساس الشرقي، فخرج من هذا اللقاء لون موسيقي يحمل ملامح مصرية واضحة، لكنه يستطيع في الوقت نفسه أن يخاطب أذنًا تعرف الموسيقى في أي مكان من العالم.
وهنا تحديدًا تكمن خصوصية كريم جوهر، لأنه لم يكتفِ بأن يكون حافظًا لألحان الآخرين، وإنما حاول أن يفهم روحها، ثم يعيد تقديمها من خلال شخصيته هو. وهذه ليست مهمة سهلة، لأن إعادة تقديم لحن محبوب لدى الناس تحتاج إلى حساسية شديدة، فالمستمع لا يريد أن يفقد الذكرى التي ارتبطت باللحن، وفي الوقت نفسه يريد أن يسمع شيئًا جديدًا يمنحه سببًا آخر للاستماع.
ومن يستطيع تحقيق هذه المعادلة يمتلك شيئًا مختلفًا.
لقد عرف كريم جوهر كيف يقترب من تراثنا الموسيقي دون أن يحوله إلى قطعة محفوظة داخل متحف، وكيف يمنح الألحان القديمة فرصة أخرى للحياة، وكأنه يقول للأجيال الجديدة إن الفن الجميل لا يرتبط بزمن محدد، وإن اللحن الذي خرج من قلب فنان صادق منذ عشرات السنين يستطيع أن يصل إلى قلب شاب يجلس اليوم أمام هاتفه إذا وجد من يعيد تقديمه بلغة موسيقية يفهمها.
وهذا هو أحد أهم أدوار الفنان الحقيقي؛ أن يكون حلقة وصل بين الأجيال.
فالفنان لا يعيش لنفسه فقط، ولا تنتهي رسالته بمجرد انتهاء الحفل وتصفيق الجمهور، وإنما تبقى قيمته في الأشياء التي يتركها خلفه، وفي الذوق الذي يساهم في تشكيله، وفي الذكريات التي يصنعها، وفي الأبواب التي يفتحها أمام من يأتي بعده.
ومن يتأمل تجربة كريم جوهر يجد أن وراء العازف الماهر شخصية فنية تمتلك رؤية، والرؤية هي الفارق الحقيقي بين الموهبة العابرة والمشروع الفني الذي يمكن أن يستمر.
فالموهبة قد تجعل الإنسان يلمع لفترة، لكن الرؤية هي التي تجعله قادرًا على الاستمرار والتطور والتجديد.
وكريم جوهر يبدو مؤمنًا بأن الموسيقى ليست مجموعة من النغمات المنفصلة، وإنما حالة إنسانية كاملة. لذلك يظهر في عزفه اهتمام واضح بالتفاصيل، وبالمساحات الصغيرة التي قد لا ينتبه إليها المستمع العادي، لكنها تصنع الفارق بين عزف جيد وعزف يحمل شخصية صاحبه.
وعندما يجلس أمام البيانو، فإن أصابعه لا تتحرك فقط فوق المفاتيح، وإنما تتحرك معها ذاكرة كاملة من الموسيقى المصرية والعربية، وكأن كل نغمة تبحث عن مكانها بين الماضي والحاضر.
وهذا ما يجعل الاستماع إلى البيانو في تجربته مختلفًا.
فالبيانو عند كريم جوهر لا يبدو آلة باردة أو بعيدة عن الروح الشرقية، بل يتحول إلى صوت يحمل شيئًا من الحنين، وشيئًا من الفرح، وشيئًا من الحزن، وشيئًا من ذلك الشعور المصري الذي يصعب وصفه بالكلمات.
إنه يحاول أن يجعل الآلة تتنفس.
وهذه واحدة من أصعب مهام العازف.
فالآلة مهما بلغت عظمتها تظل في النهاية جمادًا، لكن الفنان الحقيقي يمنحها روحًا من روحه، ويجعل المستمع يشعر وكأنها تتحدث إليه. وعندما يحدث ذلك يصبح العازف والموسيقى والآلة والجمهور جزءًا من حالة واحدة لا تحتاج إلى تفسير.
أما الجانب الإنساني في شخصية كريم جوهر، فهو جزء لا ينفصل عن فنه، لأن الإنسان الذي لا يشعر بالناس لا يستطيع أن يقدم فناً يصل إلى الناس بسهولة. والفنان الحقيقي يعرف أن الجمهور ليس رقمًا في قاعة، وليس مجرد أيدٍ تصفق بعد انتهاء العزف، وإنما مجموعة من الأرواح جاءت تبحث عن شيء؛ ربما تبحث عن ذكرى، أو عن لحظة فرح، أو عن هدوء، أو عن أغنية قديمة أعادتها إليها نغمة واحدة.
وهنا تظهر مسؤولية الفنان.
أن يعرف أن هناك إنسانًا يجلس أمامه وقد تحمل يومًا صعبًا، وربما جاء إلى الحفل بحثًا عن دقائق قليلة ينسى فيها متاعبه. وربما تكون نغمة واحدة هي كل ما يحتاج إليه هذا الإنسان حتى يشعر بأن الدنيا ما زال فيها شيء جميل.
ولهذا فإن الفن في تجربة كريم جوهر يبدو أقرب إلى التواصل منه إلى الاستعراض.
والقيادة الفنية التي يمتلكها لا تأتي من الوقوف في المقدمة فقط، وإنما من القدرة على تحديد الطريق الذي يريد أن يسلكه، ثم دعوة الآخرين إلى السير معه. والفنان القائد هو الذي يستطيع أن يحافظ على هويته وهو يفتح النوافذ أمام التجديد، فلا يذوب في الجديد ولا يتحول إلى أسير للماضي.
وهذه معادلة تحتاج إلى شخصية قوية وثقافة موسيقية واسعة.
كريم جوهر استطاع أن يفهم أن الموسيقى العالمية ليست تهديدًا للموسيقى الشرقية، كما أن الحفاظ على التراث لا يعني رفض التطور. فالشرق يمتلك ما يقدمه للعالم، والغرب يمتلك تجارب ثرية يمكن الاستفادة منها، والفنان الواعي يستطيع أن يأخذ من كل مساحة أجمل ما فيها ثم يصنع شيئًا يحمل بصمته الخاصة.
ومن هنا جاء ذلك المزج الجميل الذي أصبح أحد ملامح تجربته.
شرق يعرف جذوره، وغرب يعرف أدواته، وفنان يقف بينهما دون أن يفقد هويته.
وهذا النوع من الفن هو الذي يمكن أن يعيش خارج الحدود، لأن اللغة الموسيقية في النهاية لا تحتاج إلى ترجمة. قد لا يفهم المستمع كلمات الأغنية، لكنه يستطيع أن يفهم الحزن الموجود في اللحن، وأن يشعر بالفرح في الإيقاع، وأن يدرك الحنين الموجود في جملة موسيقية واحدة.
ولذلك فإن مستقبل كريم جوهر يمكن أن يحمل الكثير من المساحات الجديدة التي لم تُكتشف بعد.
فالفنان الذي نجح في بناء جسر بين الموسيقى الشرقية والغربية يستطيع أن يذهب أبعد من ذلك، وأن يقدم مؤلفات أكثر جرأة، وأن يفتح أبوابًا جديدة أمام البيانو، وأن يتعامل مع ألوان موسيقية مصرية مختلفة، وأن يبحث عن كنوز موجودة في الذاكرة الشعبية المصرية ويعيد تقديمها برؤية معاصرة.
مصر ليست أغنية واحدة، وليست مقامًا واحدًا، وليست إيقاعًا واحدًا.
مصر بلد كامل من الحكايات الموسيقية، من الصعيد إلى الدلتا، ومن مدن القناة إلى الإسكندرية، ومن النوبة إلى القاهرة، وكل منطقة تحمل روحًا موسيقية مختلفة يمكن أن تكون مادة ثرية لفنان يمتلك القدرة على البحث والتجريب.
وربما يكون هذا أحد أهم أبواب المستقبل أمام كريم جوهر؛ أن يتحول مشروعه من مجرد إعادة قراءة الجميل في تراثنا إلى اكتشاف جمال جديد لم ننتبه إليه بعد.
والفنان الذي يريد أن يصنع أثرًا حقيقيًا لا ينبغي أن يخاف من التجربة، لأن الإبداع لا يولد دائمًا من الطرق المعبدة، وإنما يولد أحيانًا من السؤال: ماذا لو فعلناها بطريقة مختلفة؟
وكريم جوهر يمتلك هذه الروح.
روح الفنان الذي لا يكتفي بأن يقول إن الماضي كان جميلاً، وإنما يحاول أن يسأل كيف يمكن لهذا الجمال أن يعيش معنا اليوم، وكيف يمكن أن نمنحه حياة جديدة دون أن نفقد ملامحه الأصلية.
وهذا تحديدًا ما يجعل تجربته جديرة بالاهتمام.
فهو لا يحاول فقط أن يعزف الموسيقى، وإنما يحاول أن يعيد الإنسان إلى الموسيقى.
في زمن أصبح فيه الكثير من الأصوات يتنافس على جذب الانتباه، تصبح الموسيقى الهادئة الصادقة أكثر أهمية، لأن الإنسان في النهاية يحتاج إلى شيء يخفف عنه ضجيج الحياة، ويمنحه لحظة يتنفس فيها بعيدًا عن صخب الأيام.
وهنا يأتي دور الفنان.
أن يمنح الناس مساحة من الجمال.
أن يجعلهم يتذكرون أن الحياة ليست كلها أزمات ومشكلات ومسؤوليات، وأن هناك لحظات يمكن فيها للإنسان أن يغلق عينيه ويترك نفسه لنغمة صادقة.
وهذه القيمة لا تقاس بعدد المشاهدات أو حجم التصفيق، وإنما بمدى قدرة الفن على البقاء داخل الإنسان بعد انتهاء العرض.
ولذلك فإن كريم جوهر أمامه مسؤولية كبيرة في المرحلة القادمة، لأن النجاح الذي وصل إليه ليس نهاية الطريق، وإنما بداية لمرحلة أكثر أهمية؛ مرحلة تثبيت التجربة وتوسيعها وتطويرها، وتحويلها إلى مشروع موسيقي قادر على أن يعيش ويكبر ويصل إلى أجيال جديدة.
والجميل أن الفنان الحقيقي لا يتوقف عن التعلم، لأن كل مرحلة في حياته تفتح له بابًا جديدًا، وكل جمهور يمنحه درسًا جديدًا، وكل لحن يجعله يكتشف جانبًا آخر من نفسه.
ولهذا يمكن أن تكون السنوات القادمة مساحة خصبة أمام كريم جوهر ليقدم المزيد من المؤلفات والمشروعات والحفلات، وأن يثبت أن البيانو قادر على أن يحمل الروح المصرية إلى أماكن بعيدة، وأن الموسيقى الشرقية قادرة على أن تجلس بثقة إلى جوار الموسيقى العالمية دون أن تفقد شيئًا من شخصيتها.
كريم جوهر في النهاية ليس حكاية عازف بيانو فقط، وإنما حكاية فنان آمن بأن الجمال يمكن أن يعاد اكتشافه، وأن التراث يمكن أن يعيش دون أن يتحول إلى ماضٍ مغلق، وأن الحداثة يمكن أن تأتي دون أن تمحو الذاكرة.
إنه يحاول أن يصنع من البيانو لغة جديدة للحوار بين الشرق والغرب، بين الأمس واليوم، بين الذاكرة والتجديد، وبين الإنسان والموسيقى.
وربما لهذا السبب تحديدًا تبدو تجربته مختلفة؛ لأنه لا يعزف ليُسمع فقط، وإنما يعزف ليُشعر.
وفي عالم يحتاج بشدة إلى الجمال، تظل هناك قيمة عظيمة لفنان يفتح نافذة صغيرة للروح، ويضع أمام الإنسان نغمة تقول له إن الأشياء الجميلة لم تنتهِ بعد.
وربما أجمل ما يمكن أن نقوله عن كريم جوهر أن رحلته الفنية لم تصل إلى نهايتها، لأن الفنان الذي يبحث دائمًا عن نغمة جديدة لا يعرف التوقف، والعازف الذي يرى في البيانو أكثر من آلة موسيقية يستطيع أن يجعل كل مفتاح فيه بداية لحكاية جديدة.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام المستقبل: إلى أين يمكن أن يصل هذا المشروع الموسيقي عندما يواصل صاحبه البحث والتجريب ويمنح موهبته مزيدًا من المساحة؟
الإجابة لن تكون بالكلمات، وإنما ستكون في النغم القادم.
وعندما يبدأ كريم جوهر في العزف من جديد، سيظل البيانو شاهدًا على رحلة فنان أراد أن يعيد للفن شيئًا من جماله، وللموسيقى شيئًا من دفئها، وللروح الإنسانية شيئًا من هدوئها، وأن يقول لنا جميعًا إن الجمال الحقيقي لا يموت، وإنما يحتاج فقط إلى يد تعرف كيف توقظه من جديد.