recent
أخبار ساخنة

سَحْسِين وإمبراطورية «عَيْن»عندما يقترب موسم المدارس.. ويبدأ الأب في البحث عن مصدر دخل جديد!

سَحْسِين وإمبراطورية «عَيْن»
عندما يقترب موسم المدارس.. ويبدأ الأب في البحث عن مصدر دخل جديد!

حسين السمنودي

هناك موسم للمانجو، وموسم للبطاطس، وموسم للشتاء، وموسم للانتخابات، لكن المصريين وحدهم عندهم موسم أخطر من كل هذه المواسم، اسمه «موسم المدارس»، وهو موسم لا يحتاج إلى إعلان رسمي ولا إلى نشرة جوية، لأن أعراضه تظهر في البيت قبل أن تصل أول رسالة من المدرسة، فتجد الأب بدأ يحسب الراتب، والأم بدأت تراجع احتياجات الأولاد، والأبناء بدأوا يرددون الجملة الشهيرة: «بابا أنا عايز حاجة للمدرسة».

وهنا تبدأ قصة «سَحْسِين» بطل حكايتنا، وهو رجل مصري بسيط كان يعيش حياته مستورًا، حتى استيقظ ذات صباح على قائمة طويلة من الطلبات، فقرأ أول سطر، ثم شرب كوبًا من الشاي، وقرأ السطر الثاني، ثم طلب كوبًا ثانيًا، وعندما وصل إلى منتصف الورقة سأل زوجته في خوف: «هي المدرسة فاتحة فرع بنك ولا إيه؟».

قالت له زوجته بكل هدوء: «دي حاجات الأولاد يا سحسين».

رد عليها: «أنا عارف إنها حاجات الأولاد، بس هو إحنا داخلين مدرسة ولا بنجهز بعثة فضائية؟».

ضحكت الزوجة وقالت: «لسه ما شفتش باقي الطلبات».

وهنا شعر سحسين أن قلبه بدأ يدق بطريقة غير مطمئنة، وأمسك الورقة بكلتا يديه، وبدأ يقرأ: قميص، بنطلون، حذاء، شراب، حقيبة، كراسات، أقلام، ألوان، أدوات هندسية، زجاجة مياه، لانش بوكس، كتب، مصروفات، مواصلات، دروس خصوصية... وهنا وضع سحسين الورقة على الطاولة، ونظر إلى زوجته نظرة رجل أدرك أن المعركة أكبر من إمكانياته.

قال لها: «هو كل ده ضروري؟».

قالت: «طبعًا».

قال: «واللي مش ضروري؟».

قالت: «لسه ما كتبتهوش».

سحسين هنا لم يرد، لأنه اكتشف أن الصمت أحيانًا أرخص من الكلام!

أول معركة كانت مع الملابس المدرسية، فالابن الأكبر يحتاج قميصًا وبنطلونًا، والبنت تحتاج الزي المدرسي، والصغير يحتاج حذاء، والحذاء القديم موجود فعلًا، لكنه أصبح أصغر من قدم صاحبه، وكأن القدم قررت أن تنمو مخصوص قبل بداية الدراسة بأيام.

يقول سحسين لابنه: «ما ينفعش تلبس الجزمة القديمة؟».

فيرد الابن: «بتوجعني».

فيقول الأب: «ما هي الجزمة مش بتتكلم علشان توجعك».

فيرد الابن: «جربها إنت يا بابا».

وهنا يسكت سحسين، لأن الابن دخل منطقة لا يصلح فيها النقاش!

ثم تبدأ رحلة الشراء، ويدخل الأب محل الملابس، فيسأل عن سعر القميص، فيسمع الرقم، فيعيد السؤال ظنًا منه أنه لم يسمع جيدًا، فيأتيه نفس الرقم، فيبتسم ابتسامة حزينة ويقول للبائع: «مفيش منه مستعمل؟».

ثم يأتي دور الحذاء، فيقول البائع: «عندنا موديلات ممتازة».

يرد سحسين: «أنا مش عايز ممتازة، أنا عايز حاجة تمشي وخلاص».

وبعد مفاوضات طويلة يخرج من المحل وفي يده كيس صغير، وفي جيبه نقود أقل، وفي قلبه دعاء طويل.

لكن المصيبة الحقيقية تبدأ عندما يصل إلى المكتبة.

المكتبة في موسم المدارس تتحول إلى ما يشبه البورصة العالمية، والناس واقفة أمام الرفوف، وكل أب يحمل قائمة، وكل أم تمسك قلمًا وتشطب، وكل طفل يضيف من عنده شيئًا لم يكن موجودًا في القائمة الأصلية.

يقول سحسين لابنه: «إيه القلم ده؟».

يقول الابن: «ده مهم يا بابا».

«طب والقلم اللي عندك؟».

«ده عادي».

«واللي عايزه؟».

«ده مخصوص».

«مخصوص يعمل إيه؟».

«يكتب».

فيضع سحسين يده على قلبه ويقول: «والقلم العادي كان بيكتب إيه؟ كان بيطبخ؟».

ثم تأتي الكراسات، وكل مادة لها كراسة، وكل كراسة لها حجم ولون، وبعضها له غلاف مخصوص، وبعضها لا بد أن يكون من نوع معين، وكأن الطفل لن يستطيع فهم الرياضيات إلا إذا كانت الكراسة ذات غلاف أزرق، ولن يفهم اللغة العربية إلا إذا كان الكشكول مقاسًا محددًا!

ويكتشف سحسين أن الأدوات المكتبية وحدها تحتاج إلى ميزانية مستقلة، فيقول للبائع: «هات الضروري بس».

فيجيبه البائع: «كل اللي في القائمة ضروري».

فيقول سحسين: «طيب هو في حاجة مش ضرورية؟».

فيقول البائع: «أيوه، بس المدرسة ما طلبتهاش».

وهنا يقتنع سحسين أن الاقتصاد المصري يحتاج إلى وزير مالية جديد، ويقرر أن يرشح نفسه للمنصب فورًا.

وبعد الملابس والكراسات تبدأ المصاريف المدرسية، وهنا يدخل الأب مرحلة جديدة من التفكير، فيفتح تطبيق البنك، ثم يغلقه، ثم يفتح المحفظة، ثم يغلقها، ثم ينظر إلى الراتب وكأنه ينظر إلى شخص يعرف أنه سيتركه بعد دقائق.

يقول في نفسه: «يا ترى المرتب هيكفّي؟».

ثم يضحك على نفسه ويقول: «كفاية إيه بس؟ ده المرتب نفسه محتاج حد يساعده!».

وإذا كان عنده أكثر من ابن، فالأمر يتحول إلى مؤتمر اقتصادي سنوي، يحتاج إلى جدول حسابات، وأوراق، وآلة حاسبة، وربما خبير اقتصادي من البنك الدولي!

ثم يأتي بند الدروس الخصوصية، وهنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارة.

الابن يقول: «بابا أنا محتاج درس رياضيات».

يقول سحسين: «المدرسة بتشرح».

يرد الابن: «كل زمايلي بياخدوا درس».

«والعربي؟».

«درس».

«الإنجليزي؟».

«درس».

«العلوم؟».

«درس».

«طب إنت هتدرس إمتى؟».

فيقول الابن: «دي بقى مشكلة حضرتك».

وهنا يدرك سحسين أن ابنه لا يطلب تعليمًا فقط، وإنما يطلب إنشاء وزارة تعليم خاصة داخل البيت!

أما المواصلات، فلها قصة أخرى، فالولد يحتاج مصروفًا للذهاب والعودة، ومصاريف المواصلات لا تعرف الرحمة، ثم يحتاج إلى شيء يأكله، لأن معدة الطالب لا تعترف بالأزمة الاقتصادية، ولا تعرف شيئًا عن التضخم، ولا تهتم بسعر الدولار.

يسأل الأب ابنه: «أديتك فلوس النهارده، عملت بيها إيه؟».

يرد: «ركبت».

«والباقي؟».

«أكلت».

«والساندوتش اللي حطيتهولك؟».

«أكلته».

«يعني أكلت الساندوتش والمصروف؟».

«آه».

فيقول سحسين: «يا ابني إنت رايح المدرسة تتعلم ولا رايح تفتح مطعم؟».

والأم في الجانب الآخر من المعركة لا تقل عن الأب في البطولة، فهي التي تستيقظ مبكرًا لتجهز الفطار، وتجهز الساندوتشات، وتملأ زجاجة المياه، وتراجع الحقيبة، وتبحث عن الشراب الذي اختفى فجأة، ثم تصرخ في البيت: «مين شال الكراسة؟».

فتأتي الإجابة من غرفة أخرى: «مش أنا».

ثم تسأل: «مين خد القلم؟».

«مش أنا».

«مين ضيع الجزمة؟».

«مش أنا».

وفي النهاية تكتشف أن الجزمة في مكانها، والقلم في الحقيبة، والكراسة تحت السرير، وأن المتهم الحقيقي في كل هذه الجرائم هو «الفوضى»!

ومع كل هذا الضغط، تجد المصريين يضحكون.

وهذه أعظم حكاية في الموضوع كله.

فالمصري قد يجلس آخر الشهر وهو لا يعرف كيف سيدفع مصاريف الغد، لكنه عندما يرى أولاده أمامه يقول: «ربنا يسهل».

و«ربنا يسهل» عند المصري ليست مجرد عبارة عابرة، وإنما مؤسسة اقتصادية متكاملة تعمل على مدار الساعة، ولا تحتاج إلى رأس مال، ولا إلى مقر، ولا إلى موظفين، ولا إلى ميزانية، وكل ما تحتاجه قلب مؤمن بأن ربنا لن يتركه.

يبدأ الأب في تدبير الأمور، ويشتري الضروري، ويؤجل ما يمكن تأجيله، ويبحث عن الأرخص، ويستفيد من ملابس العام الماضي إن كانت صالحة، ويستخدم الأدوات الموجودة بدل شراء كل شيء جديد، والأم تدبر البيت بحكمة عجيبة، والأولاد يتعلمون هم أيضًا أن الحياة ليست دائمًا كما يريدون، وأن هناك أشياء نحتاج إليها وأشياء يمكن الاستغناء عنها.

وبين هذا كله، يبقى الضحك حاضرًا.

الأب يشتكي.

الأم تشتكي.

الأولاد يطلبون.

والجيب يقول: «كفاية كده يا جماعة».

ومع ذلك تتحرك الحياة.

وهذه هي عظمة البيت المصري، أنه قد يكون تحت ضغط شديد، لكنه لا يسمح للضغط أن يكسر روحه، وقد يكون الأب مرهقًا، لكنه عندما يرى ابنه يرتدي ملابس المدرسة ويضع حقيبته على ظهره، يشعر أن كل ما دفعه وكل ما تعب من أجله كان يستحق.

وقد تكون الأم قضت أيامًا كاملة في تجهيز الأولاد، لكنها عندما تراهم في أول يوم دراسي، تبتسم من قلبها، وتقول: «ربنا يحفظهم ويبارك فيهم».

وهكذا تتحول كل الأرقام التي كانت تخيف الأسرة إلى شيء من الماضي.

وتبدأ الدراسة.

ويعود سحسين إلى بيته في أول يوم، يضع رأسه على الوسادة، ويقول لزوجته: «الحمد لله... عدّت».

فتنظر إليه زوجته وتقول: «لسه الدروس».

فيقوم سحسين من السرير مرة أخرى ويقول: «أنا كنت عارف إن في مصيبة مستخبية!».

ثم يضحكان.

لأنهما يعرفان أن الحياة لا تتوقف عند مصاريف المدارس، وأن وراء كل أزمة بابًا من أبواب الفرج، وأن الرزق ليس دائمًا بالورقة والقلم والحسابات، وإنما قد يأتي في صورة عمل إضافي، أو مساعدة من قريب، أو بركة في القليل، أو ستر من الله لا يشعر به الإنسان إلا بعد أن تمر الأزمة.

وفي النهاية، يظل «سحسين» هو ذلك المصري الذي لا يملك رفاهية الاستسلام، ولا يعرف كيف يقول «مش قادر» إلا للحظة، ثم يقوم بعدها ليبحث عن حل.

فهو يدفع مصاريف المدرسة، ويشتري الملابس، ويجهز الكتب، ويدبر المواصلات، ويحاول أن يوفر الدروس، ويضع الساندوتش في الحقيبة، ثم يودع أولاده على باب المدرسة ويقول لهم: «شدوا حيلكم».

وبعد أن يدخلوا، ينظر إلى الباب لحظة، ثم يضع يده في جيبه، فيجد أن الجيب أصبح أخف مما كان عليه بالأمس، فيضحك ويقول: «ولا يهمك... المهم العيال يتعلموا».

ثم يمشي في طريقه وهو يردد تلك الجملة التي أنقذت بيوتًا كثيرة من اليأس، ورفعت عن قلوب كثيرة ثقل الخوف:

«ربنا يسهل»...

نعم، قد يكون موسم المدارس موسمًا للضغط والطلبات والمصاريف، وقد يشعر الأب أحيانًا أنه يخوض معركة لا تنتهي، لكن المصريين لديهم سلاح سري لا يعرفه خبراء الاقتصاد ولا خبراء الإدارة المالية: الصبر، والتدبير، والضحكة، والرضا، وحسن الظن بالله.

وبتساهيل ربنا، تعدي الأيام.

وتنتهي المصاريف.

وتبدأ الدراسة.

وتكبر الأحلام.

ويظل الأب والأم واقفين خلف أولادهم، يدفعون ما يستطيعون، ويضحكون على ما لا يستطيعون، ويطلبون من الله ما لا يملكون.

أما سحسين، بطل «إمبراطورية عين»، فسوف يظل كل عام في نفس الموعد، ممسكًا بقائمة الطلبات، ينظر إليها طويلًا، ثم يقول:

«يا جماعة... هو إحنا بنربي عيال ولا بنجهزهم لافتتاح جامعة؟!»

ثم يضحك...

ويذهب ليشتري أول طلب في القائمة.

لأن المصري، مهما اشتدت عليه الأيام، يعرف دائمًا كيف يعبرها... وبإذن الله، بتساهيل ربنا، تعدي.

google-playkhamsatmostaqltradent