طائرك في عنقك.. حين يحمل الإنسان نتيجة ما صنع
حسين السمنودي
قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، سورة الإسراء.
آية قصيرة في كلماتها، لكنها تفتح أمام الإنسان بابًا واسعًا للتأمل في نفسه وحياته وأيامه ومصيره، وتضعه أمام حقيقة لا يستطيع الهروب منها مهما طال به العمر، ومهما حاول أن يلقي أخطاءه على الآخرين، أو يبرر أفعاله بالظروف، أو يختبئ خلف أعذار كثيرة.
إنها حقيقة المسؤولية.
فالإنسان في هذه الدنيا قد يستطيع أن يخدع الناس، وقد يستطيع أن يزين صورته أمام الآخرين، وقد ينجح في إخفاء ما لا يريد لأحد أن يعرفه، وقد يتحدث عن نفسه بما ليس فيه، وقد يبرر لنفسه ما لا يبرره لغيره، وقد يحمّل الظروف مسؤولية فشله، ويلقي على الآخرين تبعات أخطائه، لكن هناك حقيقة لا تتغير: أن الإنسان يحمل معه أثر ما فعل، وأن كل كلمة قالها، وكل موقف اتخذه، وكل خير صنعه، وكل ظلم ارتكبه، وكل قلب كسره، وكل مظلمة تركها وراءه، ليست أشياء تضيع في فراغ الحياة.
﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾.
والطائر هنا كما ذكر أهل التفسير مرتبط بعمل الإنسان وما قدمه، وما يصدر عنه من خير أو شر، فكأن عمله ملازم له لا ينفك عنه، ولا يستطيع أن يضعه على كتف غيره، ولا أن يتركه عند باب الدنيا ويرحل وحده.
وهذه الآية لو وقف الإنسان أمامها بصدق، لتغيرت أشياء كثيرة في حياته.
لأننا نعيش في زمن أصبح فيه كثير من الناس أسرع في محاسبة الآخرين من محاسبة أنفسهم، وأقدر على اكتشاف عيوب الناس من اكتشاف عيوبهم، وأشد غضبًا من خطأ غيرهم من غضبهم من أخطائهم.
أصبحنا نرى من يتحدث عن الأخلاق وهو يجرح الناس، ومن يتحدث عن الرحمة وهو لا يرحم، ومن يطالب بالصدق وهو يمارس الكذب، ومن يشكو ظلم الآخرين بينما لا يتورع عن ظلم من هم أضعف منه، ومن يطلب من الناس احترامه وهو لا يحترم أحدًا.
والمشكلة ليست أن الإنسان يخطئ، فالخطأ طبيعة بشرية، ولكن المصيبة أن يخطئ الإنسان ثم يرفض الاعتراف، ويظلم ثم يبحث عن مبرر، ويجرح ثم يتظاهر بأنه المجروح، ويأخذ حق غيره ثم يتحدث عن العدل، ويعصي الله ثم يتمنى أن يعيش في ستر دائم دون أن يسأل نفسه يومًا: ماذا وضعت في كتابك؟
إن القرآن لا يريد منا أن نعيش أسرى للخوف، وإنما يريد أن يوقظ فينا الضمير.
يريد أن يقول لك: أنت مسؤول عن نفسك.
مسؤول عن لسانك حين تتحدث.
ومسؤول عن يدك حين تمتد.
ومسؤول عن عينك حين تنظر.
ومسؤول عن قلبك حين يحقد.
ومسؤول عن مالك من أين اكتسبته وفيم أنفقته.
ومسؤول عن وقتك أين ذهب.
ومسؤول عن أولادك كيف ربيتهم.
ومسؤول عن زوجتك كيف عاملتها.
ومسؤول عن والديك كيف كنت معهما.
ومسؤول عن العامل الذي تحت يدك.
ومسؤول عن الفقير الذي مر بجوارك.
ومسؤول عن الضعيف الذي استطعت أن تنصره فخذلته.
ومسؤول حتى عن الكلمة التي ظننت أنها عابرة بينما تركت في قلب إنسان جرحًا ربما لم يندمل إلى اليوم.
كم من كلمة قالها إنسان ونسيها، بينما ظل شخص آخر يحمل ألمها سنوات؟
وكم من إنسان رأى نفسه ينتصر في لحظة غضب، ولم يعرف أنه ربما خسر قلبًا كان يحبه إلى الأبد؟
وكم من شخص أهان إنسانًا لأنه أضعف منه، ثم دارت الأيام وأصبح محتاجًا إلى من كان يزدريه؟
الدنيا تتغير.
الأحوال تتبدل.
والأيام لا تبقى على حال.
لكن الأعمال تبقى في الكتاب.
وهنا تأتي الآية التالية لتزيد المشهد رهبة:
﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾.
كتاب ليس فيه مجاملات.
ولا علاقات شخصية.
ولا نفوذ.
ولا أموال.
ولا شهرة.
ولا قدرة على حذف صفحة.
كتاب يحمل تاريخ الإنسان الحقيقي.
ليس التاريخ الذي كتبه لنفسه على مواقع التواصل، ولا الصورة التي حاول أن يرسمها أمام الناس، وإنما الحقيقة التي يعلمها الله عنه.
قد يصفق لك الناس اليوم، لكنهم لن يستطيعوا أن يغيروا ما في كتابك.
وقد يلومك الناس اليوم ظلمًا، لكن ظلمهم لن يغير ما في كتابك.
وقد يمدحك الناس وأنت تعلم أنك مقصر، فلا يغنيك مدحهم.
وقد يذمك الناس وأنت مظلوم، فلن تضيع مظلمتك عند الله.
وهذه من أعظم صور عدل الله.
فالإنسان قد يظلم في الدنيا ولا يجد من ينصفه، وقد يضيع حقه بين الإجراءات والكلمات والمصالح، وقد يموت صاحب الحق قبل أن يسمع اعتذارًا، وقد يرحل المظلوم دون أن يرى الظالم يُحاسب، لكن المؤمن يعلم أن الدنيا ليست المحكمة الأخيرة.
هناك يوم آخر.
هناك كتاب آخر.
هناك حساب لا ينسى شيئًا.
وهناك رب لا يظلم مثقال ذرة.
ومن هنا ينبغي للإنسان أن يتوقف قليلًا ويسأل نفسه: ماذا أكتب في هذا الكتاب؟
نحن نهتم كثيرًا بما سيقال عنا بعد موتنا، وننسى أن الأهم ليس ما سيقوله الناس عنا، وإنما ما سيقال لنا بين يدي الله.
قد يموت الإنسان ويجتمع الناس حول جنازته، فيذكرون كرمه، أو علمه، أو طيبته، أو مواقفه، وقد يذكرون عيوبه أيضًا، لكن كل ذلك ينتهي عند التراب.
أما كتاب العمل فلا ينتهي.
قد ينسى الناس صدقة أعطيتها في يوم من الأيام، لكن الله لا ينساها.
قد تنسى دمعة مسحتها عن وجه إنسان، لكن الله لا ينساها.
قد تنسى دعوة دعوت بها لأحد في غيابه، لكن الله لا ينساها.
وقد ينسى العالم كله ظلمًا وقع عليك، لكن الله لا ينساه.
وفي المقابل، قد ينسى الإنسان معصية فعلها، وقد يضحك عليها بعد سنوات، وقد يقول: كانت أيامًا وانتهت، لكن عند الله ليست كل الأشياء تنتهي بمجرد أن ننساها.
وهنا تظهر رحمة الله العظيمة أيضًا.
فالذي جعل لنا كتابًا تُكتب فيه الأعمال، جعل لنا بابًا للتوبة لا يُغلق ما دام الإنسان حيًا قادرًا على الرجوع.
ليس المقصود من الآية أن يشعر الإنسان باليأس، وإنما أن يستيقظ قبل فوات الأوان.
أن يتوب قبل أن يصبح الندم بلا عمل.
أن يعيد الحقوق إلى أصحابها قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الاعتذار.
أن يصل رحمه قبل أن يفقد من كان يستطيع الوصول إليه.
أن يطلب السماح ممن ظلمه.
أن يتوقف عن أكل حقوق الناس.
أن يراجع نفسه في المال والكلمة والعلاقات.
أن يتذكر أن الله يرى حين لا يراه أحد.
وهذه هي القضية التي نحتاج إليها بشدة في أيامنا.
فقد أصبح الإنسان اليوم يعيش بين شاشات كثيرة، ويرى حياة الآخرين باستمرار، ويقارن نفسه بهم، ويتابع أخبارهم وصورهم وكلماتهم، لكنه في زحام كل ذلك نسي أن ينظر إلى نفسه.
نسينا السؤال الأهم:
كيف علاقتي بالله؟
كيف صلاتي؟
كيف قلبي؟
هل في قلبي حقد على أحد؟
هل ظلمت إنسانًا؟
هل أكلت مالًا ليس لي؟
هل قطعت رحمًا؟
هل عققت والدًا؟
هل أهملت أبناءً يحتاجون إلى كلمة مني أكثر مما يحتاجون إلى المال؟
هل قلت كلامًا عن إنسان في غيابه لا أجرؤ على قوله أمامه؟
هل نشرت شيئًا أضر بسمعة شخص؟
هل فرحت بمصيبة إنسان لأن بيني وبينه خلافًا؟
هل خذلت شخصًا كان يحتاج إليّ؟
هذه الأسئلة أثقل من كثير من الأسئلة التي تشغلنا كل يوم، لكنها أكثر أهمية.
فالإنسان قد يملك بيتًا جميلًا، لكنه يحمل قلبًا خرابًا.
وقد يملك مالًا كثيرًا، لكنه يحمل حقوقًا كثيرة للناس.
وقد تكون له مكانة اجتماعية، لكن كتابه يحمل ما لا يحب أن يراه.
وقد يعيش الإنسان سنوات وهو يظن أنه نجح، ثم يكتشف أن النجاح الذي كان يراه بعينيه لم يكن هو النجاح الحقيقي.
النجاح الحقيقي أن تصل إلى الله بقلب سليم.
أن تموت وليس في رقبتك مظلمة تستطيع ردها.
أن تكون قد تركت وراءك قلوبًا تدعو لك بدل أن تلعنك.
أن يكون وجودك في حياة الناس رحمة لا عبئًا.
أن يكون لسانك سببًا في إصلاح لا في فساد.
أن تكون يدك عونًا لا أذى.
أن يكون مالك سببًا في ستر إنسان وإطعام جائع وعلاج مريض وإغاثة محتاج.
أن تمر في الحياة، ثم حين تغادرها يبقى منك أثر طيب.
فالناس الذين يظنون أن الحياة ملك لهم وحدهم ينسون أنها امتحان.
والذي يفهم الدنيا على أنها فرصة للأخذ فقط، ينسى أنها أيضًا فرصة للعطاء.
والذي يظن أن القوة تعني أن تستطيع إيذاء الآخرين، لم يفهم القوة الحقيقية.
القوة الحقيقية أن تستطيع الانتقام فتسامح، وأن تستطيع الظلم فتعدل، وأن تستطيع القسوة فترحم، وأن تستطيع أن تفضح إنسانًا فتستر عليه، وأن تستطيع أخذ حق ليس لك فتتركه خوفًا من الله.
هنا يظهر معدن الإنسان.
وهنا يتحدد ما يحمله في عنقه.
ليس كل ما تستطيع فعله ينبغي أن تفعله.
وليس كل ما تعرفه ينبغي أن تنشره.
وليس كل سر ائتمنت عليه يجوز أن تفضحه.
وليس كل خطأ رأيته في إنسان يبيح لك أن تكسره أمام الناس.
أحيانًا يكون أعظم العمل أن تصمت.
وأحيانًا تكون أعظم العبادة أن تمنع نفسك من ظلم إنسان.
وأحيانًا يكون أعظم الانتصار أن تعفو.
وأحيانًا تكون النجاة في كلمة لم تقلها.
تأملوا كم من مشكلات البيوت بدأت بكلمة، وكم من علاقات انتهت بسبب كلمة، وكم من صديق فقدناه بسبب كلمة، وكم من إنسان انكسر بسبب كلمة.
ثم يأتي الإنسان يوم القيامة ويجد أن الكلمات لم تختف.
لأن الكلمة قد تخرج من فمك في ثانية، لكنها قد تسافر في حياة إنسان سنوات.
ولهذا فإن المؤمن الحقيقي لا يعيش بلا حساب لنفسه.
قبل أن ينام، يراجع يومه.
ماذا فعلت اليوم؟
من أسعدته؟
من أوجعته؟
من ظلمته؟
من أعطيته؟
من احتاج إليّ ولم ألتفت إليه؟
هل صليت كما ينبغي؟
هل قلت كلامًا يغضب الله؟
هل أخذت حقًا ليس لي؟
هل اعتذرت عندما أخطأت؟
إن هذه المراجعة اليومية قد تنقذ الإنسان من تراكم الذنوب حتى تصبح طباعًا.
فأخطر ما في المعصية ليس وقوعها مرة، وإنما أن تتحول إلى عادة، ثم إلى عادة لا يشعر صاحبها أنها معصية.
وأخطر ما في الظلم أن يعتاده الإنسان حتى يصبح يرى نفسه دائمًا صاحب حق، والآخرين دائمًا مخطئين.
وأخطر ما في قسوة القلب أن الإنسان لا يشعر بأنه قاسٍ.
لذلك قال الله تعالى:
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾.
يا لها من لحظة!
الإنسان الذي قضى حياته يبرر لنفسه، سيجد نفسه أمام كتابه.
والذي كان يلوم الآخرين على كل شيء، سيجد نفسه أمام عمله.
والذي كان يهرب من مواجهة الحقيقة، سيواجه الحقيقة كاملة.
لا يحتاج الأمر إلى شاهد من البشر.
ولا إلى دفاع طويل.
ولا إلى محامٍ يستطيع أن يخفي الأدلة.
كتابك أنت.
وأنت أعرف الناس بنفسك.
وهنا ينبغي أن نفهم أن هذه الآية ليست فقط حديثًا عن يوم القيامة، بل هي رسالة لنا ونحن ما زلنا على الأرض.
فما دام الكتاب لم يُغلق بعد، فما زالت هناك فرصة.
ما دام القلب ينبض، فهناك باب.
ما دام الإنسان حيًا، يستطيع أن يغير ما سيجد.
يمكنك اليوم أن تمسح ظلمًا قديمًا باعتذار صادق.
يمكنك أن تعيد مالًا أخذته بغير حق.
يمكنك أن تصل رحمًا قطعته.
يمكنك أن تفتح بابًا أغلقته في وجه محتاج.
يمكنك أن تتوقف عن الغيبة.
يمكنك أن تعفو عن إنسان.
يمكنك أن تبدأ الصلاة.
يمكنك أن تستغفر.
يمكنك أن تقول: يا رب، أخطأت، ولا أريد أن ألقى كتابي بهذا الخطأ.
وهنا تظهر عظمة التوبة.
فالله سبحانه وتعالى لم يترك عباده أسرى لما مضى، بل فتح لهم باب الرجوع، ودعاهم إلى رحمته، وحذرهم من اليأس.
كم من إنسان يظن أن ماضيه أسود إلى درجة يستحيل معها أن يعود!
وكم من إنسان يقول: فعلت كثيرًا، فكيف يغفر الله لي؟
لكن رحمة الله أكبر من ذنوبك، إذا صدقت في الرجوع إليه.
لا تجعل الشيطان يقنعك بأنك تأخرت.
ولا تجعله يقول لك: أنت سيئ فلا تحاول.
بل حاول.
تب.
أصلح.
اعتذر.
رد الحقوق.
غيّر طريقك.
فأنت لا تستطيع أن تغير الصفحات التي كُتبت بالأمس، لكنك تستطيع أن تجعل صفحات الغد مختلفة.
وهذه هي الرسالة الأعمق في قوله تعالى:
﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾.
أنت تحمل عملك.
فاحرص على ما تحمله.
واحذر أن تجعل سنوات عمرك تمر وأنت تجمع ما يثقل عنقك.
لا تجعل غضبك يكتب.
ولا لسانك يكتب.
ولا ظلمك يكتب.
ولا غرورك يكتب.
ولا حبك للانتقام يكتب.
اجعل الرحمة تكتب.
والصدقة تكتب.
والصلاة تكتب.
وبر الوالدين يكتب.
وستر الناس يكتب.
وإغاثة الملهوف تكتب.
والكلمة الطيبة تكتب.
والعفو يكتب.
والتوبة تكتب.
وحتى النية الصالحة التي لم تستطع تنفيذها، يعلمها الله.
وفي نهاية الأمر، سوف يترك الإنسان كل شيء خلفه.
سيترك بيته.
وماله.
ومكانته.
وأصدقاءه.
وشهرته.
وكل الأشياء التي كان يظن أنها ستبقى معه.
وسيمضي وحده.
لا يحمل معه إلا ما صنع.
هناك لن يكون السؤال: كم كان عندك؟
ولا كم شخصًا كان يعرفك؟
ولا كم مرة صفق لك الناس؟
ولكن ماذا قدمت؟
ماذا صنعت؟
من ظلمت؟
ومن أعنت؟
وأي قلب كسرت؟
وأي قلب جبرت؟
وأي طريق مشيت فيه؟
وماذا وضعت في كتابك؟
فيا من أتعبتك الدنيا، لا تجعل تعبك فيها سببًا لأن تخسر آخرتك.
ويا من ظلمك الناس، لا تسمح لظلمهم أن يحولك إلى ظالم.
ويا من أكلت الحياة من قلبك، لا تجعل قسوتها تنتقل منك إلى الآخرين.
ويا من أخطأت، لا تيأس.
ويا من أذنبت، تب.
ويا من ظلمت، رد الحقوق.
ويا من قطعت، صل.
ويا من أسأت، أصلح.
فإن الإنسان لا يملك أن يعود إلى الأمس، لكنه يملك أن يتوقف عن صناعة الأخطاء اليوم.
وسيأتي يوم يقف فيه كل واحد منا أمام كتابه، ويقال له:
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾.
فطوبى لمن قرأ كتابه فوجد فيه سجدة خفية لا يعلم بها إلا الله، وصدقة لم يعلم بها أحد، ودمعة خوف من الله، ويدًا امتدت إلى محتاج، ولسانًا صان أعراض الناس، وقلبًا عفا رغم قدرته، وحقًا أعاده إلى صاحبه، وتوبة صادقة غيّرت مجرى حياته.
وطوبى لمن ترك خلفه أثرًا طيبًا، فإذا غاب قال الناس: رحم الله من كان هنا.
اللهم اجعل كتبنا يوم نلقاك بيضاء من المظالم، عامرة بالحسنات، مملوءة بالعفو والرحمة والصدق، ولا تجعل فيها ما نخجل من قراءته بين يديك.
اللهم لا تجعلنا ممن يظلمون الناس ثم ينسون أن الظلم مكتوب، ولا ممن يعصونك ثم ينسون أن العمر محدود، ولا ممن يؤجلون التوبة حتى يأتي اليوم الذي لا يستطيعون فيه الرجوع.
اللهم أعنا على أنفسنا، وطهر قلوبنا، واغفر ذنوبنا، وردنا إليك ردًا جميلًا، واجعل ما نحمله في أعناقنا يوم نلقاك نورًا ورحمة ونجاة.
فالحياة مهما طالت قصيرة، والناس مهما اقتربوا سيرحلون، والدنيا مهما أعطت ستأخذ، ولن يبقى مع الإنسان في النهاية إلا كتاب عمله.
فاحذر ما تكتب اليوم...