وتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن
حسين السمنودي
نعيش حياتنا ونحن نرسم الخطط، ونضع الأحلام، ونحدد الطرق التي نريد أن نسير فيها، ونظن أحيانًا أن كل شيء سيأتي كما خططنا له، وأن الأيام ستمنحنا ما نريد لمجرد أننا تمنيناه كثيرًا وسعينا إليه بإخلاص. لكن الحياة لا تسير دائمًا وفق ما نرسمه، فقد تأتي الرياح فجأة بعكس اتجاه السفن، وتتغير الظروف في لحظة، ويتحول الطريق الذي كنا نظنه سهلًا إلى طريق مليء بالعقبات.
وهنا تظهر حقيقة الإنسان، فليس المهم أن تسير الرياح دائمًا كما نريد، وإنما المهم كيف نتعامل معها عندما تأتي بعكس رغباتنا.
هناك من إذا واجهته أول عقبة ظن أن الدنيا كلها قد تخلت عنه، وهناك من يتلقى الصدمات بصمت، ويعيد ترتيب أوراقه، ويبدأ من جديد، مؤمنًا بأن الخسارة ليست دائمًا نهاية، وأن تأخر الوصول لا يعني أن الوصول مستحيل.
كم من إنسان فقد عملًا كان يظنه مصدر أمانه، فوجد بعد ذلك بابًا آخر لم يكن يفكر فيه. وكم من شخص انتهت علاقة كان يعتقد أنها ستستمر طوال العمر، ثم اكتشف مع مرور الوقت أن النهاية كانت بداية لحياة أكثر هدوءًا. وكم من حلم تأخر تحقيقه حتى ظن صاحبه أنه لن يتحقق، ثم جاءت اللحظة التي أصبح فيها ذلك الحلم واقعًا.
نحن أحيانًا ننظر إلى الأحداث من لحظتها فقط، ولذلك نحزن ونغضب ونشعر بالظلم، لكن الأيام تكشف لنا أشياء لم نكن نراها ونحن داخل الأزمة.
فما نعتبره اليوم خسارة، قد نكتشف غدًا أنه كان حماية لنا، وما نراه تأخيرًا قد يكون إعدادًا، وما نظنه طريقًا مغلقًا قد يكون مجرد دعوة للبحث عن طريق آخر.
والسفينة لا تتوقف لأن الرياح عاكستها، وإنما يغير قائدها اتجاه الشراع، ويبحث عن أفضل طريق للعبور. وكذلك الإنسان، عليه ألا يسمح للظروف أن تكسر إرادته، بل عليه أن يتعلم كيف يتكيف معها دون أن يفقد مبادئه أو أحلامه.
ليس عيبًا أن تغير خطتك، وليس ضعفًا أن تبدأ من جديد، وليس فشلًا أن تعترف بأن الطريق الذي اخترته لم يعد مناسبًا. الفشل الحقيقي هو أن تعرف أن الطريق أصبح مستحيلًا، ثم تظل واقفًا في المكان نفسه فقط لأنك تخشى البداية من جديد.
وقد تكون أجمل الأشياء في حياتنا هي تلك التي جاءت بعد عاصفة، وأجمل الانتصارات هي التي وُلدت من رحم الانكسار، وأقوى الشخصيات هي التي مرت بالكثير ولم تسمح لما مرت به أن يحولها إلى إنسان فاقد للأمل.
لذلك، عندما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، لا تلقي الشراع، ولا تغادر البحر، ولا تظن أن الرحلة انتهت.
تمسك بحلمك، ولكن لا تتمسك بالطريق نفسه إذا تغيرت الظروف.
اصبر، وفكر، وأعد حساباتك، وابدأ من جديد إذا لزم الأمر.
فالحياة ليست دائمًا في أن تصل إلى المكان الذي أردته، وإنما أحيانًا في أن تكتشف، بعد رحلة طويلة، أن المكان الذي وصلت إليه كان يحمل لك شيئًا أجمل مما كنت تتمنى.
وتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، لكن السفن القوية لا تخشى الرياح... لأنها تعرف أن وراء كل عاصفة بحرًا يهدأ، ووراء كل ليل فجرًا، ووراء كل طريق شاق لحظة وصول تستحق كل هذا العناء.