حسين السمنودي
لم تبدأ حرب أكتوبر في السادس من أكتوبر عام 1973 فقط، ولم يكن العبور العظيم وليد الساعات التي سبقت رفع العلم المصري على الضفة الشرقية لقناة السويس، وإنما بدأت الحكاية قبل ذلك بسنوات، في صمت شديد، وفي أماكن لم تكن عيون العدو تتوقع أن تكون جزءًا من أعظم عملية إعداد عسكري عرفتها المنطقة. ففي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تراقب تحركات الجيش المصري على الضفة الغربية لقناة السويس، وتحاول جمع المعلومات عن أي استعدادات يمكن أن تكشف نية مصر في استعادة أرضها، كانت هناك قرى ومناطق مصرية بعيدة عن خط المواجهة تتحول بهدوء إلى ميادين تدريب حقيقية، يتعلم فيها الجنود كيف يعبرون المياه، وكيف يتعاملون مع الموانع الترابية، وكيف يتحركون في ظروف تشبه ما ينتظرهم على الجبهة، وكيف يحولون التدريب المتكرر إلى مهارة راسخة لا تهتز عندما تبدأ المعركة.
ومن بين هذه الأماكن برزت الخطاطبة، تلك القرية المصرية التي تبدو في ظاهرها مكانًا هادئًا يعيش أهله حياتهم اليومية بين الأرض والماء والعمل، لكنها ارتبطت بصفحات مهمة من الاستعداد لحرب أكتوبر، لأن طبيعتها المائية ساعدت على إقامة تدريبات تحاكي جانبًا من طبيعة قناة السويس، فأصبح الماء أمام الجنود مانعًا يجب اجتيازه، وأصبحت الضفة المقابلة هدفًا يجب الوصول إليه، وأصبح الصعود من الماء إلى الأرض تدريبًا متكررًا على لحظة حقيقية ستأتي لاحقًا، ولم يكن الهدف مجرد تقوية أجساد الجنود، وإنما جعلهم يعيشون تفاصيل العبور قبل أن يصلوا إلى القناة، حتى لا يكون الماء بالنسبة إليهم مجهولًا، وحتى لا تكون الضفة الشرقية شيئًا لم تطأه أقدامهم في التدريب من قبل.
وهنا تظهر واحدة من أهم الأسرار التي صنعت نصر أكتوبر؛ فقد أدرك المخطط العسكري المصري أن المعركة الحقيقية تحتاج إلى تدريب حقيقي، لكن التدريب بالقرب من الجبهة كان يمكن أن يكشف شيئًا من النوايا المصرية للعدو، ولذلك جرى البحث عن أماكن أخرى تشبه طبيعة مسرح العمليات، بحيث يتدرب الجنود بعيدًا عن أعين المراقبة الإسرائيلية، وتصبح القرى المصرية بمياهها وأراضيها وتضاريسها مسارح تدريب لا يعرف العدو حجم ما يجري فيها ولا الهدف النهائي من ورائها. كان الفلاح يرى حركة الجنود والمعدات، وربما لم يكن يعرف كل تفاصيل ما يحدث، بينما كان الجيش يعرف جيدًا أن كل تمرين يتم في هذه الأماكن هو جزء من خطة أكبر ستظهر نتائجها عندما يحين الموعد.
ولم تكن الخطاطبة وحدها في هذه الحكاية، فقد ارتبطت مناطق أخرى مثل وردان وبني سلامة بتدريبات العبور والمحاكاة، حيث استفاد الجيش من طبيعة المياه والأرض في إعداد الجنود والضباط للتعامل مع الموانع المائية والظروف التي يمكن أن يواجهوها في قناة السويس. وكانت الفكرة الأساسية أن يتدرب المقاتل على الشيء قبل أن يواجهه، وأن يكرر التدريب مرات عديدة حتى يتحول الأمر من مهمة صعبة إلى عمل يعرف كل جندي خطواته وتوقيته، لأن المعركة لا تسمح للجندي بأن يتعلم أثناء إطلاق النار، ولا تمنح القائد فرصة للتجربة والخطأ وسط النيران، ولذلك كان التدريب هو المكان الذي يجب أن تحدث فيه الأخطاء، لكي يأتي يوم الحرب وقد تم تصحيحها.
وفي الفيوم أيضًا ظهرت صورة أخرى من صور الاستعداد، حيث ارتبطت منطقة شكشوك بالتدريب على عمليات العبور والمحاكاة من خلال الطبيعة المائية لبحيرة قارون، فأصبحت المياه مرة أخرى جزءًا من التدريب، وأصبح الجنود يتعاملون مع ظروف تشبه في بعض جوانبها ما ينتظرهم على قناة السويس. ولم يكن المقصود من هذه التدريبات صناعة صورة استعراضية أمام الناس، وإنما كان الهدف أن يتعلم المقاتل كيف يعمل وسط الماء، وكيف يحافظ على معداته، وكيف ينتقل من وضع إلى آخر، وكيف يتعامل مع الجهد البدني الشديد، وكيف يستمر في أداء مهمته مهما كانت الظروف المحيطة به.
وفي برقاش ظهرت كذلك تدريبات ومشروعات عسكرية تحاكي عمليات العبور، وهو ما يؤكد أن الاستعداد المصري لم يكن محصورًا في منطقة واحدة، وإنما كان موزعًا على أكثر من مكان، بحيث تتدرب الوحدات على سيناريوهات مختلفة، وتُختبر قدرتها على التحرك والعمل في ظروف متنوعة. فالحرب ليست نهرًا فقط، وليست صحراء فقط، وليست ساترًا ترابيًا فقط، وإنما هي مجموعة من العقبات المتتابعة، ولهذا كان على الجندي المصري أن يكون قادرًا على التعامل مع كل ما يمكن أن يواجهه، من الماء إلى الرمال، ومن الأرض المستوية إلى المرتفعات، ومن الحركة الفردية إلى العمل داخل تشكيل عسكري كبير.
وفي مناطق أخرى مثل الكيلو 85 اتجه التدريب إلى طبيعة الأرض الصحراوية والمرتفعات والتضاريس الصعبة، لأن الجندي الذي سيقاتل في سيناء لا بد أن يعرف كيف يتحرك في الصحراء، وكيف يحافظ على قدرته البدنية والنفسية في بيئة مختلفة، وكيف يستخدم الأرض لصالحه، وكيف يواصل مهمته في ظروف قاسية. وهكذا أصبحت مصر كلها تقريبًا، من مياه الدلتا إلى صحاريها ومرتفعاتها، مساحة واسعة للتدريب والاستعداد، وكل منطقة كانت تقدم للجيش درسًا مختلفًا، وكل تضاريس كانت تمنح المقاتل خبرة جديدة يحتاج إليها عندما تأتي ساعة الحقيقة.
ولم تكن عملية العبور مجرد انتقال الجنود من ضفة إلى أخرى، فهذه الصورة البسيطة لا تعكس أبدًا حجم التعقيد الذي كان وراءها؛ لأن عبور قناة السويس كان يعني تحريك وحدات كاملة، وإدخال معدات وأسلحة وذخائر، وإنشاء وسائل للعبور، وتأمين القوات، وإدارة الاتصالات، وتنسيق حركة المشاة والمدفعية والمدرعات والمهندسين، وكل ذلك في وقت واحد وتحت ضغط الحرب. ولهذا كانت التدريبات السابقة تشمل أكثر من مجرد السباحة أو عبور الماء، بل كانت إعدادًا لمنظومة كاملة يجب أن تعمل في اللحظة نفسها، لأن نجاح جزء من العملية دون بقية الأجزاء لا يحقق النصر.
وكان سلاح المهندسين على وجه الخصوص أمام مهمة شديدة الصعوبة، لأن الساتر الترابي الذي أقامته إسرائيل على الضفة الشرقية للقناة لم يكن عقبة بسيطة يمكن تجاوزها بسهولة، ولذلك كان لا بد من التفكير والتدريب على طرق التعامل معه، واختبار المعدات والأساليب، والتأكد من قدرة الجنود على فتح الثغرات وتأمين الممرات أمام القوات. ومع كل تدريب كانت الخبرة المصرية تتراكم، وكل تجربة كانت تضيف معلومة جديدة، وكل خطأ كان فرصة لتعديل الخطة، حتى أصبح العبور يوم السادس من أكتوبر نتيجة سنوات من الإعداد وليس قرارًا لحظيًا.
وهنا تظهر عظمة القرى المصرية التي احتضنت جانبًا من هذه التدريبات، لأنها لم تكن مجرد أماكن على الخريطة، وإنما كانت جزءًا من منظومة إعداد ضخمة. ربما كان الناس في بعض هذه القرى يمارسون حياتهم الطبيعية، ويذهبون إلى أعمالهم وحقولهم، بينما في مكان قريب منهم كان جنود مصر يتدربون على عبور المياه، ويعيدون المحاولة مرة بعد مرة، ويقيسون الزمن، ويتعلمون كيف يتحركون في صمت، وكيف يحملون معداتهم، وكيف يصلون إلى الجانب الآخر بأسرع ما يمكن، وكل ذلك دون أن يدرك العدو أن هذه التدريبات البعيدة عن القناة كانت تمثل جزءًا من الاستعداد الحقيقي للمعركة.
وهذا هو الفارق بين جيش يستعد للحرب وجيش ينتظر الحرب؛ فالجيش الذي ينتظر المعركة قد يفاجأ بتفاصيلها، أما الجيش الذي يتدرب على تفاصيلها فيستطيع أن يحول المفاجآت إلى إجراءات معروفة. وقد كانت القيادة المصرية تدرك أن إسرائيل تعتمد بدرجة كبيرة على المعلومات والاستطلاع والمراقبة، ولذلك كان الحفاظ على سرية الاستعدادات أمرًا بالغ الأهمية، فكلما ابتعد التدريب الحقيقي عن أعين العدو، وكلما تنوعت أماكنه، أصبح من الصعب على أجهزة المخابرات الإسرائيلية أن تحدد الصورة الكاملة لما يجري.
ولهذا لم تكن القرى المصرية مجرد خلفية صامتة في قصة أكتوبر، بل كانت في بعض المواقع جزءًا من عملية الخداع والاستعداد معًا، فبينما كانت أنظار العدو تتجه نحو قناة السويس، كان الجنود يتعلمون مهارات العبور في أماكن أخرى، وحينما جاء يوم الحرب لم يكن العبور تجربة أولى، بل كان امتدادًا لما تدرب عليه الجنود مرات كثيرة. لقد عرفوا الماء، وعرفوا الموانع، وعرفوا الحركة تحت الضغط، وعرفوا كيف يعملون في مجموعات، وعرفوا أن النجاح لا يأتي من بطولة فردية فقط، وإنما من التزام كل رجل بالمهمة التي كُلف بها.
وعندما جاءت لحظة السادس من أكتوبر، تغير كل شيء؛ فالترعة أصبحت قناة السويس، والتدريب أصبح معركة، والمعدات التي كانت تُستخدم في المناورات أصبحت أدوات حقيقية للعبور، والجندي الذي كان يخرج من الماء في التدريب أصبح يخرج من مياه القناة تحت صوت المدفعية، والساتر الترابي الذي كان يتدرب على التعامل معه أصبح أمامه بالفعل. وهنا ظهرت قيمة كل ساعة تدريب قضاها هؤلاء الرجال بعيدًا عن الجبهة، وكل مرة أخطأ فيها جندي ثم أعاد المحاولة، وكل ليلة قضتها الوحدات وهي تتدرب على تنفيذ المهمة في التوقيت المحدد.
لم يكن نصر أكتوبر ضربة حظ، ولم يكن وليد لحظة غضب أو اندفاع عاطفي، وإنما كان ثمرة إعداد طويل اشتركت فيه مؤسسات الجيش، وسواعد الضباط والجنود، وأرض مصر نفسها التي احتضنت التدريبات في أماكن عديدة. ولذلك فإن الحديث عن أكتوبر يجب ألا يقتصر على أسماء القادة والمعارك الكبرى فقط، بل يجب أن يمتد إلى القرى والمناطق التي احتضنت مراحل الإعداد، وإلى الجنود الذين عرقوا فوق أرضها، وإلى المياه التي تدربوا فيها، وإلى كل مكان ساعد بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تحويل فكرة العبور إلى قدرة حقيقية على التنفيذ.
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن بعض هذه القرى لم تكن تعرف في ذلك الوقت أنها ستصبح بعد سنوات جزءًا من ذاكرة مصر العسكرية، ولم يكن أهلها يتصورون أن المياه التي تبدو لهم جزءًا من حياتهم اليومية يمكن أن تتحول إلى مدرسة يتعلم فيها رجال القوات المسلحة كيفية عبور أحد أعظم الموانع المائية في العالم. لكن التاريخ لا يقاس دائمًا بحجم المكان، فقرية صغيرة قد تحمل في ذاكرتها حدثًا أكبر من حدودها، ومياه هادئة قد تخفي خلفها تدريبات صنعت لحظة من أعظم لحظات التاريخ المصري الحديث.
لقد كان الفلاح المصري يعيش حياته، والجندي المصري يتدرب، والجيش المصري يخطط، والعدو يراقب، وبين كل هذه التفاصيل كانت مصر تبني مفاجأتها الكبرى. لم تكن هناك حاجة إلى ضجيج كبير، لأن العمل الحقيقي كان يجري في صمت. لم تكن هناك حاجة إلى إعلان النوايا، لأن الهدف كان أن تتحدث النتائج في الوقت المناسب. وعندما جاء الوقت، تحدثت المدافع، وتحركت القوات، وانطلقت قوارب العبور، وارتفع العلم المصري فوق أرض سيناء.
ومن الخطاطبة إلى وردان وبني سلامة، ومن شكشوك إلى برقاش، ومن مواقع التدريب الصحراوية إلى مناطق المحاكاة والعبور، تتوزع صفحات كثيرة من حكاية الإعداد المصري التي سبقت أكتوبر. وربما لا يعرف كثيرون أسماء هذه الأماكن، لكن عدم شهرتها لا يعني أنها لم تكن مهمة، فهناك أماكن كثيرة تصنع التاريخ دون أن تظهر في واجهته، وهناك أناس كثيرون يشاركون في صناعة النصر دون أن تُكتب أسماؤهم على صفحات الكتب.
إن أكتوبر كان نصر جيش، لكنه في الوقت نفسه كان نصر شعب كامل، لأن الجيش خرج من هذا الشعب، والجنود كانوا أبناء البيوت المصرية، والقرى والمدن كانت تودع أبناءها وتنتظر عودتهم، والأرض المصرية كلها كانت تحمل آثار سنوات من الاستعداد والصبر. ولذلك فإن كل قرية احتضنت تدريبًا، وكل موقع شهد مناورة، وكل أرض تدرب عليها مقاتل، تستحق أن تُذكر عندما نروي قصة العبور.
لقد كان الطريق إلى قناة السويس أطول بكثير من المسافة بين ضفتيها، لأن العبور الحقيقي بدأ قبل الحرب بسنوات، عندما قرر المصريون أن يتعلموا كيف يعبرون، ثم كرروا التدريب حتى أصبح العبور عقيدة ومهارة وخطة، وعندما جاءت ساعة الصفر لم يكن الجندي المصري يذهب إلى المجهول، وإنما كان يذهب إلى مهمة تدرب عليها طويلًا، وعرف تفاصيلها، وآمن بقدرته على تنفيذها.
وهكذا يمكن القول إن العبور العظيم بدأ في أماكن كثيرة قبل أن يبدأ على قناة السويس؛ بدأ في ميادين التدريب، وعلى شواطئ المياه، وبين رمال الصحراء، وفي القرى المصرية التي احتضنت تدريبات الرجال، وبدأ في عرق المقاتلين قبل أن يبدأ في مياه القناة، وبدأ في عقول القادة قبل أن يتحول إلى حركة على الأرض.
وفي النهاية، عندما نتذكر السادس من أكتوبر، علينا أن نتذكر أيضًا تلك الأماكن الهادئة التي سبقت صخب المعركة، وأن نعرف أن وراء كل نصر كبير قصة طويلة من العمل الذي لا يراه أحد. فقبل أن يعبر الجندي المصري قناة السويس، كانت هناك مياه أخرى عبرها في التدريب، وقبل أن يصعد إلى الساتر الترابي الإسرائيلي، كانت هناك موانع أخرى تدرب على اجتيازها، وقبل أن يواجه العدو الحقيقي، كان قد واجه الخوف والتعب والإرهاق في تدريبات لا يعرف عنها الناس الكثير.
تلك هي حكاية قرى مصر التي خبأت سر أكتوبر، قرى لم تحمل المدافع إلى سيناء، لكنها حملت على أرضها خطوات الرجال الذين حملوا المدافع، ولم تعبر القناة في يوم الحرب، لكنها ساعدت أبناء مصر على تعلم العبور، ولهذا ستظل هذه القرى جزءًا من الحكاية الكبرى؛ حكاية وطن لم ينسَ أرضه، وجيش لم ينسَ هدفه، وشعب عرف أن استعادة الأرض لا تأتي بالأماني، وإنما بالعلم والتخطيط والتدريب والصبر والإرادة.
وفي السادس من أكتوبر، عندما عبر المصريون قناة السويس، لم تكن تلك الخطوة الأولى في الطريق إلى النصر، بل كانت لحظة حصاد لسنوات طويلة من العمل الصامت، وكانت كل قرية احتضنت تدريبًا، وكل مياه شهدت عبورًا تجريبيًا، وكل أرض حملت أقدام الجنود، جزءًا من ذلك الطريق الذي انتهى برفع علم مصر فوق أرض سيناء.