حسين السمنودي
لم يكن من السهل أن يخرج فيلم وثائقي من قلب إسرائيل ليتحدث عن الحرب في غزة من زاوية مختلفة تمامًا عن الرواية الرسمية، ثم يعبر الحدود إلى مهرجان دولي كبير، ويحصل على جائزة، ويستقبل بتصفيق طويل، قبل أن يتحول داخل إسرائيل نفسها إلى قضية سياسية وأمنية وقانونية.
لكن هذا هو بالضبط ما حدث مع الفيلم الوثائقي الإسرائيلي «نازا – NAZA».
فالفيلم الذي أخرجه الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور، واستغرق العمل عليه نحو ثلاث سنوات، لا يعتمد على شهادات فلسطينية أو مصادر خارج المؤسسة الإسرائيلية فقط، وإنما يقدم شهادات 24 شخصًا من داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية، جرى إخفاء هوياتهم وتغيير أصواتهم وصورهم حفاظًا على سلامتهم. وعُقدت المقابلات سرًا ليلًا فوق أسطح مبانٍ في تل أبيب.
وهنا تكمن الحساسية الحقيقية.
فالفيلم لم يقل فقط إن هناك ضحايا مدنيين في غزة، فهذه حقيقة وثقتها جهات عديدة طوال الحرب، وإنما حاول أن يدخل إلى المنظومة التي سبقت الضربة: كيف يتم تحديد الهدف؟ كيف تُجمع المعلومات؟ كيف يدخل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في عملية تحديد الأهداف؟ وكيف يتم تقدير عدد المدنيين الذين قد يسقطون في الهجوم؟
ومن هنا جاء اسم الفيلم.
«نازا» مصطلح عسكري إسرائيلي يُستخدم للإشارة إلى ما يسمى «الضرر الجانبي» أو الخسائر المدنية المتوقعة من عملية عسكرية. ووفق عرض الفيلم، تحوّل الرقم المرتبط بهذا المصطلح إلى عنصر داخل عملية اتخاذ القرار بشأن بعض الضربات.
وهنا تنتقل القضية من مجرد سؤال عن نتائج الحرب إلى سؤال أكثر عمقًا وخطورة:
هل كان سقوط المدنيين مجرد نتيجة غير مقصودة للعمليات العسكرية، أم أن تقدير عدد الضحايا المدنيين كان يدخل مسبقًا في حسابات بعض الضربات؟
هذا هو السؤال الذي يضعه «نازا» أمام المشاهد.
الفيلم يقول إن بعض المصادر التي ظهرت فيه كانت جزءًا من منظومة الاستخبارات والاستهداف، وإن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي استُخدما لمعالجة كميات هائلة من المعلومات والمساعدة في تحديد أهداف داخل قطاع غزة.
لكن هنا يجب التوقف عند نقطة مهمة: هذه شهادات ومزاعم يقدمها الفيلم، وليست كلها حقائق مستقلة ثبتت قضائيًا لمجرد ظهورها في الفيلم.
وفي المقابل، الجيش الإسرائيلي رفض بصورة قاطعة ما ورد في «نازا»، وقال إن الفيلم يعتمد على شهادات مجهلة لا يمكن التحقق بصورة مستقلة من أصحابها أو من أدوارهم، ونفى أن يكون الذكاء الاصطناعي هو صاحب القرار النهائي في اختيار الضربات، مؤكدًا أن القرارات يتخذها بشر وفق الإجراءات العسكرية والقانون الدولي من وجهة نظره.
إذن نحن أمام روايتين متعارضتين.
رواية الفيلم ومصادره من جهة، والرواية العسكرية الإسرائيلية من جهة أخرى.
لكن المشكلة السياسية التي أحدثها الفيلم لم تتوقف عند مضمون الشهادات.
المشكلة الأكبر بالنسبة لإسرائيل أن أصحاب الشهادات إسرائيليون.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
فحين تأتي الاتهامات من خصم خارجي، تستطيع المؤسسة السياسية والعسكرية أن تقدمها باعتبارها جزءًا من الصراع الإعلامي والسياسي.
أما حين يظهر أفراد من داخل الجيش والاستخبارات ويتحدثون عن آليات العمل التي يقولون إنهم شاهدوها أو شاركوا فيها، فإن السؤال ينتقل إلى الداخل الإسرائيلي نفسه:
من هؤلاء؟
كيف وصلوا إلى هذه المعلومات؟
هل ما يقولونه صحيح؟
هل هناك أنظمة أو أوامر أو إجراءات تحتاج إلى مراجعة؟
وهل يجوز فتح نقاش عام حول طريقة إدارة الحرب؟
وهنا بدأ «نازا» يتحول من فيلم إلى أزمة رواية.
فإسرائيل خاضت خلال سنوات الحرب معركة عسكرية على الأرض، لكنها خاضت بالتوازي معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة الصورة والرواية أمام المجتمع الدولي.
والفيلم جاء ليقول إن جزءًا من الرواية التي تُسمع خارج إسرائيل يمكن أن يأتي هذه المرة من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
وهذا ما جعل تأثيره مختلفًا.
لقد عُرض «نازا» للمرة الأولى عالميًا في الدورة الـ83 لمهرجان فينيسيا السينمائي، وحصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، كما استقبله الجمهور بتصفيق استمر نحو 25 دقيقة بحسب تقارير عديدة.
وهنا حدث ما لم تكن الحكومة الإسرائيلية تريده.
بدل أن يظل النقاش حول غزة محصورًا في التقارير الإخبارية والبيانات السياسية، أصبح هناك فيلم إسرائيلي يعرض على منصة ثقافية عالمية، ويقدم رواية عن الحرب من داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها.
وبالتالي أصبحت القضية بالنسبة إلى تل أبيب ليست فقط: «ماذا قال الفيلم؟»
بل أيضًا:
لماذا حصل الفيلم على هذا الاهتمام الدولي؟
ولماذا يتحدث العالم عن شهادات إسرائيلية من داخل الجيش؟
ولماذا استطاع المخرجان الوصول إلى مصادر عسكرية واستخبارية مستعدة للمخاطرة والتحدث؟
وهنا بدأ الغضب الرسمي الإسرائيلي يتصاعد.
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هاجم الفيلم، ووصفه بأنه جزء من التحريض المعادي لإسرائيل، بينما هاجم رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير الفيلم، وقال إن ما نُشر عنه يستند إلى ما وصفه بأنه «افتراءات» وتشويه للواقع، وأمر بفحص إمكان اتخاذ إجراءات قانونية والتحقيق في تسريب مواد سرية.
ولم يتوقف الأمر عند المؤسسة العسكرية.
وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار دعا إلى بحث إمكانية سحب الجنسية الإسرائيلية من المخرجين، واتهمهما بما وصفه بالخيانة، كما طُرحت أسئلة حول كيفية حصول الفيلم على مواده ومصادره.
وهنا يصبح «نازا» أكثر من فيلم عن غزة.
إنه أصبح اختبارًا سياسيًا لمساحة الخلاف داخل إسرائيل نفسها.
فإذا كانت الدولة تعتبر الفيلم مجرد عمل كاذب، فإن الطريقة الطبيعية للرد تكون بتفنيد المعلومات الواردة فيه، وتقديم الأدلة المضادة، وشرح آليات اتخاذ القرار العسكري أمام الجمهور.
أما عندما يتحول الرد إلى الحديث عن التحقيق مع المصادر، وتسريب المعلومات، وإمكان اتخاذ إجراءات ضد صناع الفيلم، فإن القضية تتحول تلقائيًا إلى سؤال آخر:
هل الأزمة في محتوى الفيلم فقط، أم في أن الفيلم فتح بابًا للنقاش داخل المجتمع الإسرائيلي كان من الصعب السيطرة عليه؟
وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل تداعيات «نازا» سياسية بامتياز.
فالفيلم أعاد إلى الواجهة قضية المساءلة.
إذا كانت هناك أخطاء في الحرب، فمن المسؤول عنها؟
وإذا كانت هناك أوامر أو إجراءات سمحت بوقوع أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، فهل المسؤولية تقع على الجندي الذي نفذ الضربة، أم على الضابط الذي وافق عليها، أم على منظومة جمع المعلومات، أم على المستوى السياسي الذي وضع أهداف الحرب؟
وهذه أسئلة لا يستطيع أي فيلم بمفرده أن يحسمها، لكنها أسئلة يمكن أن يفتحها أمام المجتمع.
ومن هنا تأتي خطورة الوثائقي سياسيًا.
إنه لا يقدم نفسه باعتباره تقريرًا عسكريًا فقط، بل يحاول تفكيك السلسلة الكاملة لصناعة القرار.
من المعلومة إلى الهدف.
ومن الهدف إلى التقدير.
ومن التقدير إلى القرار.
ومن القرار إلى الصاروخ.
ومن الصاروخ إلى بيت في غزة.
ومن البيت إلى عائلة قد تجد نفسها تحت الأنقاض.
وهنا يصبح الرقم الذي يظهر في شاشة حاسوب عسكري مرتبطًا بأرواح بشرية حقيقية.
وهذه واحدة من أكثر الأفكار التي يركز عليها الفيلم.
فالحديث عن «أهداف» و«بيانات» و«خوارزميات» يمكن أن يجعل الحرب تبدو كأنها عملية حسابية مجردة.
لكن عندما يتحول الرقم الموجود في النظام إلى عدد من الأطفال والنساء وكبار السن داخل منزل، يصبح السؤال أخلاقيًا وسياسيًا وقانونيًا في آن واحد.
ومن اللافت أن جزءًا من المادة التي يعتمد عليها الفيلم لم يظهر لأول مرة داخل السينما، وإنما سبق نشر أجزاء منها في تحقيقات صحفية أجرتها جهات إعلامية بينها «+972» و«Local Call» و«الغارديان» خلال السنوات السابقة. ولذلك فإن «نازا» يمثل انتقالًا من التحقيق المكتوب إلى الصورة السينمائية، وليس ظهورًا مفاجئًا لكل المعلومات من العدم.
وهذا عامل آخر زاد من حساسية الفيلم.
فهو لم يأتِ وحده.
بل جاء فوق طبقات سابقة من التحقيقات والأسئلة التي كانت موجودة بالفعل حول آليات الاستهداف والخسائر المدنية.
لكن السينما تمتلك قدرة مختلفة.
الصحيفة يمكن أن تنشر تحقيقًا ويقرأه آلاف أو ملايين الأشخاص.
أما الفيلم فيستطيع أن يصنع حالة شعورية كاملة، وأن يجعل المشاهد يرى الأماكن ويسمع الأصوات ويعيش مع الشاهد لحظة الخوف والتردد.
ولهذا كان اختيار أسطح تل أبيب ليلًا ذا دلالة رمزية واضحة.
مدينة مضيئة، وحياة طبيعية تسير في مكان، وعلى مسافة ليست بعيدة حرب أخرى تدور في مكان آخر.
وتحت هذه الأضواء ظهر رجال مجهولو الوجوه يتحدثون عن نظام عسكري يقولون إنهم كانوا جزءًا منه.
وهنا تصبح الصورة نفسها رسالة سياسية.
إسرائيل التي تظهر في الفيلم ليست إسرائيل الضحية فقط، وليست إسرائيل الجيش فقط، وإنما إسرائيل التي يناقش أبناؤها أنفسهم ما يحدث باسم دولتهم.
وهذا يخلق مشكلة إضافية أمام الحكومة الإسرائيلية.
فالمواجهة مع فيلم أجنبي يمكن أن تكون مواجهة مع «صورة خارجية».
أما مواجهة فيلم إسرائيلي يصنعه إسرائيليون ويتحدث فيه إسرائيليون عن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، فهي مواجهة مع صوت من الداخل.
وهذا النوع من الأصوات يصعب تجاهله بالكامل.
كما أن توقيت الفيلم يزيد من حساسيته.
فإسرائيل تواجه منذ اندلاع حرب غزة ضغوطًا دولية متزايدة بشأن حجم الدمار وسقوط المدنيين، بينما تؤكد الحكومة والجيش الإسرائيليان أن الحرب بدأت بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 وأن العمليات العسكرية تستهدف حركة حماس، مع اتهام الحركة بالعمل من داخل مناطق مدنية. الجيش الإسرائيلي كرر هذه الرواية في رده الرسمي على «نازا»، ونفى تعمد استهداف المدنيين أو ترك الذكاء الاصطناعي يتخذ قرارات الضربات.
وبالتالي فإن الفيلم يدخل مباشرة في قلب واحدة من أكثر القضايا حساسية في الصراع كله:
هل الحرب دفاع عن النفس، أم أن طريقة إدارة الحرب تجاوزت الحدود التي يفرضها القانون الدولي؟
هذه ليست مسألة يحسمها فيلم واحد، وإنما مسألة تخضع للتحقيقات والوثائق والأدلة والجهات القضائية المختصة.
لكن سياسيًا، يكفي أن الفيلم نجح في جعل هذا السؤال حاضرًا بصورة أقوى داخل النقاش الدولي والإسرائيلي.
والأكثر إحراجًا أن كثيرًا من الإسرائيليين لم يشاهدوا الفيلم أصلًا وقت اندلاع الأزمة السياسية حوله، بحسب تقارير صحفية، ومع ذلك بدأت الاتهامات والتهديدات والتحقيقات قبل أن يصبح متاحًا على نطاق واسع داخل إسرائيل.
وهذه مفارقة سياسية لافتة.
فالفيلم أصبح قضية قبل أن يصبح مادة جماهيرية.
وأصبح اسمه معروفًا لدى السياسيين والجيش والإعلام، بينما لم يشاهده معظم الجمهور الإسرائيلي.
وهذا يعني أن المعركة أصبحت حول الرواية نفسها، وليس فقط حول الفيلم.
أما دوليًا، فإن حصول «نازا» على جائزة فينيسيا أعطاه منصة جديدة، وجعل النقاش حوله يتجاوز حدود إسرائيل وفلسطين.
وبذلك انتقل الملف من غرف التحقيق والصحافة إلى مهرجان دولي، ومن شهادات مجهولة الهوية إلى نقاش عالمي عن مسؤولية الدول أثناء الحروب.
وهنا تظهر المشكلة السياسية الكبرى بالنسبة لإسرائيل:
الفيلم لا يهاجم إسرائيل من الخارج فقط، بل يقدم للعالم رواية إسرائيلية من الداخل.
وهذا يغير طبيعة المعركة الإعلامية.
فالحكومة تستطيع أن تقول إن خصوم إسرائيل يشوهون صورتها، لكن ماذا تفعل عندما تكون الأصوات التي تنتقد بعض ممارسات الجيش إسرائيلية الجنسية، وبعضها يقول إنه خدم داخل المؤسسة نفسها؟
يمكنها أن تنفي.
يمكنها أن تطلب التحقيق.
يمكنها أن تشكك في المصادر.
لكنها لا تستطيع أن تتجاهل أن السؤال أصبح موجودًا.
والسؤال في السياسة قد يكون أخطر من الاتهام نفسه.
لأن الاتهام يمكن رفضه ببيان.
أما السؤال فيحتاج إلى إجابة.
وهكذا أصبح «نازا» أمام إسرائيل ثلاث أزمات متداخلة:
أزمة صورة أمام العالم.
وأزمة رواية داخل المجتمع الإسرائيلي.
وأزمة ثقة تتعلق بما يقال عن طريقة اتخاذ القرارات العسكرية.
وفي المقابل، يجب أيضًا ألا نتعامل مع الفيلم باعتباره حكمًا قضائيًا نهائيًا.
فالجيش الإسرائيلي رفض مضمون الاتهامات، وأكد أن قرارات الاستهداف لا يتخذها الذكاء الاصطناعي وأن البشر هم أصحاب القرار، كما شكك في هوية بعض المصادر وأدوارهم. كما أن بعض الأرقام والوقائع الواردة في الفيلم محل نزاع، ومنها ادعاء يتعلق بضربة قيل إن عدد الضحايا المدنيين المتوقع فيها وصل إلى 500؛ وقد نفى الجيش الإسرائيلي تحديدًا أنه خطط أو وافق أو نفذ ضربة كان يتوقع فيها قتل هذا العدد أو قريبًا منه.
وهذا التمييز مهم جدًا إذا أردنا قراءة الفيلم سياسيًا بجدية.
فالقوة الحقيقية للفيلم لا تكمن فقط في أن كل ما يقوله قد أصبح حقيقة مثبتة، وإنما في أنه فتح بابًا واسعًا للأسئلة والوثائق والشهادات والمساءلة.
ومن هنا يمكن فهم سبب كل هذه الضجة.
إن «نازا» لم يأتِ ليخبر العالم فقط بما يحدث في غزة.
لقد جاء ليضع إسرائيل أمام مرآة صنعها بعض أبنائها.
مرآة قد يرفضها البعض، وقد يدافع عنها البعض الآخر، وقد يطالب آخرون بالتحقيق فيما تعرضه.
لكنها موجودة الآن في الفضاء الدولي.
والأكثر أهمية أن المخرجين نفسيهما قالا إن هدفهما أن يشاهد الإسرائيليون الفيلم، لأن الشهادات جاءت بالعبرية ومن داخل المجتمع الإسرائيلي، وليس فقط لجمهور أجنبي.
وهنا ربما تكمن أعقد أبعاد «نازا».
إنه ليس فيلمًا عن الماضي فقط.
بل فيلم عن كيفية كتابة تاريخ الحرب.
فبعد انتهاء أي حرب، لا يبقى عدد الصواريخ التي أُطلقت فقط، ولا عدد الطائرات التي حلقت، وإنما تبقى الوثائق والشهادات والأوامر والقرارات.
وتبقى الأسئلة:
من قرر؟
لماذا قرر؟
ماذا كان يعرف لحظة اتخاذ القرار؟
وماذا كان يعرف عن المدنيين الموجودين في المكان؟
وهل كانت الخسائر المتوقعة مقبولة وفق القانون أم لا؟
وهل كانت هناك بدائل؟
وهذه الأسئلة هي التي يمكن أن تحدد، بعد سنوات، كيف سيكتب المؤرخون والقانونيون قصة هذه الحرب.
لذلك فإن «نازا» قد يكون أهم من مجرد فيلم وثائقي ناجح في مهرجان سينمائي.
فهو وثيقة سياسية وإعلامية تفتح نقاشًا حول العلاقة بين التكنولوجيا والحرب، وبين الاستخبارات والقرار العسكري، وبين الدولة والمجتمع، وبين السرية العسكرية وحق الجمهور في المعرفة.
أما داخل إسرائيل، فقد أصبح الفيلم بالفعل جزءًا من صراع أكبر على تعريف حدود النقد، وحدود الولاء، وحدود حرية التعبير أثناء الحرب.
فبينما تقول الحكومة والمؤسسة العسكرية إن الفيلم يشوه إسرائيل ويمنح خصومها مادة دعائية، يرى صناع الفيلم أن كشف ما يعتبرونه انتهاكات وممارسات خطيرة هو بالضبط وظيفة الصحافة والسينما في زمن الحرب.
وهكذا تحول «نازا» إلى معركة داخل المعركة.
الحرب في غزة مستمرة في الميدان، لكن حرب الروايات مستمرة في الصحافة والسينما والسياسة.
وفي هذه الحرب الثانية لا تكفي الدبابات والطائرات.
بل تصبح الوثيقة سلاحًا.
والشهادة سلاحًا.
والصورة سلاحًا.
والسؤال نفسه قد يتحول إلى أزمة سياسية.
وفي النهاية، يمكن النظر إلى «نازا» باعتباره علامة على مرحلة جديدة في الصراع حول غزة: مرحلة لم يعد فيها السؤال فقط عما حدث في الميدان، بل عمن يملك الرواية التي ستبقى بعد انتهاء المعارك.
فالجيش لديه روايته.
والحكومة لديها روايتها.
والفلسطينيون لديهم شهاداتهم وتجربتهم.
والصحافة لديها تحقيقاتها.
والآن خرجت إلى العالم شهادات إسرائيلية من داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية نفسها، يحملها فيلم حصل على جائزة دولية وأثار رد فعل سياسي وأمني واسع داخل إسرائيل.
ولذلك فإن المشكلة التي أحدثها «نازا» بالنسبة للكيان الإسرائيلي ليست في ثمانين دقيقة من السينما فحسب، وإنما في السؤال الذي تركه الفيلم مفتوحًا أمام العالم وأمام الإسرائيليين أنفسهم: كيف اتُّخذت قرارات الحرب، وماذا كان أصحاب القرار يعرفون عن الثمن البشري لها في اللحظة التي اتخذوا فيها تلك القرارات؟
هذا السؤال هو الذي سيبقى أطول من الفيلم نفسه.
لأن الأفلام تنتهي عند شارة النهاية...
أما الأسئلة التي تفتحها، فقد تبدأ حياتها الحقيقية بعد انتهاء العرض.