الورودالتي كفّنتها الجبال
بقلم / الكاتبة رئيسه الهلالي
تحت هجير الشمس الملتهبة وعلى رمال الصحراء القاسية، تخرج القوافل لا لفتحٍ ولا لتجارة، بل في رحلةٍ مريرة يخوضها شبابٌ ضاقت بهم أسباب الحياة، فأبحروا في بحار الرمال يُدعون «الدهّابة». ينقبون بأظافرهم عن بريق ذهبٍ يلمع في العتمة، ينشدون أملًا يُقيلهم من عثرة البطالة، ويُعوضهم عن أسرٍ أغلقت أبواب الوظائف والفرص في وجوههم، ليكون التهميش والتجاهل هو المنيّة الأولى التي اغتالت أحلامهم قبل أن تطال أجسادهم.
في تلك الفيافي القاحلة، لا صدى لنداءاتهم سوى هسيس الرياح. شبابٌ في نضارة العمر وأوج العطاء، حوّلتهم الخيبة من بذورٍ كان يُفترض أن تُزهر في أرض الوطن، إلى حبات رملٍ تائهة تتلاقفها المتاهات. لم تكن رحلتهم مجرد سفرٍ جغرافي، بل كانت هروباً متعباً من واقعٍ ماتت فيه الفرص، فباعوا زهرة شبابهم لأرضٍ لا ترحم، يغفرون قسوتها لأنها تمنحهم خيطاً واهياً من الرجاء.
لكن الصحراء غدارة، تبتلع الأحلام قبل الأجساد. وكم من شابٍ غادر وفي عينيه أملٌ يضيء العتمة، فعاد في صندوقٍ خشبي بارد، أو طمرت تضاريس القفر جثمانه، لتموت معه ضحكته ورؤاه وكل ما كان يخطط لبنائه. هناك، تحت وطأة العطش وقسوة الطبيعة، غابت أجسادهم وتلاشى المستقبل الذي طالما انتظروا أن يلمسوه بأيديهم.
وعلى الطرف الآخر من الفاجعة، تقف الأمهات الثكالى. أولئك اللواتي غزلن من الصبر ثياباً، وانتظرن عودة الغُيّاب على أحرّ من الجمر. كم هي فاجعة الأم حين يُقرع بابها، لا لتستقبل سندها محفوفاً بالبشرى، بل لِتُسلَّم جثةً هامدة ملفوفةً بالصمت. في تلك اللحظة، تحترق القلوب صبراً وحزناً، ويصبح الدمع لغة الأمهات اليومية، يتساءلن بإنكارٍ موجع: كيف تحول الأمل إلى كفن؟ وكيف استُبدلت أحلام أبنائهن بثرى الصحراء البارد؟
إن هذه الدماء التي أُريقت في المتاهات، والأرواح التي طُمرت تحت وطأة الشقاء، تقرع جرس إنذارٍ مدوياً وتضع الدولة بكل مؤسساتها أمام مسؤولية تاريخية، إنسانية، وأخلاقية لا تقبل التردد؛ فالأوطان لا تُبنى بعظام أبنائها المفقودين، ولا يُستدَم استقرارها بينما شبابها يُقادون بنيران الحاجة إلى حتفهم.
إن حماية الشباب وتقويم معوجّ حياتهم ليس منحةً أو نافلة، بل هو الواجب الأول والأساسي لكل دولة ترعى شؤون أبنائها. إن الوقوف في وجه هذه المأساة يتطلب رؤيةً تتجاوز حدود الحلول المسكنة، وتبدأ بإعادة تعريف قيمة الإنسان في وطنه:
فتح آفاق التشغيل الحقيقي والتنمية العادلة: واجب الدولة أن تفتح الأبواب المغلقة أمام أصحاب الجباه السمراء، وأن توجد فرص عمل كريمة ومشاريع إنتاجية في القرى والمناطق النائية، لتُغني الشباب عن إلقاء أنفسهم في التهلكة بحثاً عن سراب الذهب.
تقنين وتنظيم العمل التعديني: بدل أن يُترك هؤلاء الشباب فريسة لعصابات المجهول وطبيعة الصحراء القاحلة، يجب على الدولة تنظيم قطاع التنقيب الصغير وإدخاله ضمن أطر قانونية وآمنة توفر لهم الحماية والإرشاد والأمان الاقتصادي والصحي.
إعادة بناء الثقة والأمل: الأمل ليس شعاراً يُقال، بل يداً تُمد لترميم النفسية الانكسارية التي تعيشها الأجيال الشابة؛ عبر إشراكهم الفعلي في بناء مجتمعاتهم، وإشعارهم بأن طاقاتهم ومواهبهم هي أثمن من كل ذهب الأرض.
جبر خواطر الثكالى والأسر: إن على الدولة ألا تكتفي بعدّ الضحايا، بل أن تحتضن عائلاتهم، وتوفر لهم حدّ الأمان الاجتماعي الذي يضمن ألا تُسحق أسرٌ أخرى في نفس الدوامة.
إن كل ضحكةٍ تُدفن في الصحراء هي خسارةٌ لا تُعوض في جسد الوطن، وكل كفنٍ يعود للأمهات هو جرحٌ يسيل في ضمير الأمة. لقد حان الوقت لتدرك الدول أن أثمن معادنها ليس ما يُستخرج من باطن الأرض، بل هو هذا الإنسان الشاب الذي إذا وُجِّه ورُعي، أضاء عتمة المستقبل وصنع المعجزات.