recent
أخبار ساخنة

ما بين سكر ومحمد رمضانيا قلبي لاتحزن...

ما بين سكر ومحمد رمضان
يا قلبي لاتحزن...
بقلم / نورا عواجه 

​مصر التي عرفناها بطهر نيلها، وعمق تاريخها، وجمال قيمها، تشهد  في أرجائها مشاهد تدمي القلوب وتثير في النفس حزناً بحجم الجبال..غصة تقف في الحلق ، وغضب يكاد يفجر عروق كل غيور، ونحن نرى هذا السقوط المروع في وحل الانحطاط ، وتحول الفن من رسالة تهذب النفوس إلى منصة لفرض التعرّي  والابتذال.. لم نعد نبكي على ضيق العيش فحسب ، بل نبكي دماً على انهيار إنسانيتنا وتجريف هويتنا ، في مجتمع اختلت فيه الموازين ، وانقلبت فيه المعايير حتى بات العبث والانحطاط  هو سيد الموقف ، والمظهر العاري هو الأصل، والحياء هو الإستثناء.. وأنا لله وأنا اليه راجعون...
​لقد تناسينا أن الحياء هو أغلى ما تملكه أمتنا؛ فحين قالت السيدة مريم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾، كانت تخبر النساء جميعاً بأن الشرف والحياء أغلى من الحياة نفسها.. وحين سار كليم الله موسى عليه السلام، وما زلت أحاول أن أفهم ماذا رأى في فتاة مدين لينفق عشر سنين من عمره مهراً لها..؟ فوجدت الجواب في قول الحق تبارك وتعالى : ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾؛ فلم يصف الله عز وجل طولها ولا شكلها ولا حسنها، بل وصف أغلى وأجمل ما فيها : "الحياء".. وهو تماماً ما نفتقده ونفجعه اليوم في هذا الزمان..
​وفي مفارقه  مضحكه مبكية تعكس حجم المأساة، نرى شباباً تُستغل حاجتهم وتُشترى كرامتهم بفتات لا يغني ولا يسمن من جوع من أجل "مائة جنيه"، بينما في ذات الوطن المكلوم، تُعرض مكافأة قدرها 2 مليون جنيه لمن يعثر على " الكلبه سكرا "
 أي هوان وصلنا إليه حين يصبح الحيوان أغلى وأكرم من الإنسان..؟!!
 وأي صفعة تُوجه لكرامة البسطاء والمطحونين حين تُهدر ثروات طائلة في الفراغ ، ثم يكتمل المشهد المستفز بحجز تذاكر حفل في الساحل الشمالي لمحمد رمضان لا يقل ثمن التذكرة الواحدة فيه عن خمسة وعشرين ألف جنيه..؟!!
​إن ما شهدناه في هذا الحفل يمثل قمة الإنحطاط والتعدي الصارخ على حياء المجتمع ؛ مشاهد يندى لها الجبين لفتيات يُحملن على أيدي الشباب في حركة تضرب العفة في مقتل ، بينما يقف هذا  المغني شبه عارٍ على المسرح ليصدر للناس مشهداً يطفح بالابتذال والتدني الأخلاقي ... والغريب أن هناك من يرى في هذا المجون "رقياً" أو "مستوى معيشياً راقياً"، بينما هو في الحقيقة انتكاسة للقيم وتدنٍ لا علاقة له بالتحضر وهنا نصرخ من الأعماق لنناشد الآباء والأمهات : أين أنتم؟!!! 
كيف تسمحون لفلذات أكبادكم بالإنغماس في هذا العبث؟ اتّقوا الله في أولادكم ، وأعلموا أنكم موقوفون ومسؤولون ، وستُسألون يوم القيامة عن هذه الرعية التي أهملتم تربيتها ، فليس الرقي بالمال والإبتذال وهذا الإختلاط المهين ، بل بالدين والأخلاق..
​إن هذا الترف الفاجر والإنسلاخ المتعمد من هويتنا ينذرنا بخطر عظيم، وتتجلى فيه بوضوح صرخة التحذير الإلهية الصارمة: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. لقد ضاع الحياء الذي هو تاج النفوس، وصدق رسولنا الكريم صل الله عليه وسلم حين لخص مأساتنا في كلمات معدودات: "إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ"..
​ولم تتوقف الكارثة عند حدود هذا الإنحطاط الأخلاقي ، بل امتدت لتغيب عقولنا بالكامل ؛ حين أصبح كل ما يهمنا هو الركض خلف الترندات الفارغة، وتتبع أخبث التفاصيل عن مشاجرة فلان مع زوجته أو صديقته ، ومن تزوج ومن طلق ، وتفاصيل حياة المشاهير التي لا تسمن ولا تغني من جوع.. انشغلنا بالخلافات التفاهية وسخافات منصات التواصل، وتركنا الدين والأخلاق والقضايا الحقيقية جانباً، حتى غرقنا في سطحية لا قاع لها..
​إننا لا نواجه مجرد أزمة ذوق عام، بل مذبحة متعمدة للأخلاق وتسطيحاً للوعي، وغفلة عن الحقيقة الكبرى: أن الكل سيرحل، وأن القبر ينتظرنا جميعاً، والدود سيلتهم هذه الأجساد التي تفاخرت بالتعري والمجون .. ولن نجد مخرجاً من هذا الطوفان الذي يوشك أن يجرف الجميع إلا بالعودة إلى الحبل المتين والأصل الأصيل الذي تركنا أثره فضللنا الطريق، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي"..

google-playkhamsatmostaqltradent