recent
أخبار ساخنة

في اليوم العالمي للشباب.. قبل أن نطلب من الشباب أن يعطوا.. ماذا قدمنا لهم؟


بقلم: أسماء مالك

اليوم يوافق 12 أغسطس وهو اليوم العالمي للشباب ، حيث تتكرر عبارات التهنئة والاحتفاء بالشباب، وتُقام الفعاليات والندوات، وتُرفع الشعارات التي تتحدث عن أن الشباب هم المستقبل.

لكن رأيي أن يكون الاحتفال الحقيقي بالشباب هو أن نتوقف قليلًا عن الكلام الجميل، ونطرح سؤالًا أكثر واقعية:

ماذا يحتاج الشاب اليوم حتى يستطيع أن يعيش، قبل أن نطالبه بأن يعطي؟

الشاب في العشرينات والثلاثينات من عمره لا يعيش في فراغ.

هو أمام قائمة طويلة من الاحتياجات والالتزامات: يريد أن يجد عملًا، وأن يحصل على دخل يستطيع من خلاله أن يبدأ حياته، وأن يوفر سكنًا، وأن يتزوج، وأن يساعد أسرته، وأن يتعلم مهارة جديدة، وأن يضمن لنفسه مستقبلًا أكثر استقرارًا.

وفي ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، لم يعد بناء الحياة أمرًا بسيطًا.

الشاب الذي بالكاد يستطيع تدبير احتياجاته الأساسية، ويعمل لساعات طويلة بحثًا عن دخل يكفيه، كيف نطالبه في الوقت نفسه بأن يمنح ساعات إضافية من وقته وجهده للعمل العام والتطوعي؟

هنا لا بد أن نكون منصفين.

نحن لا نقول للشباب: لا تتطوعوا.

بل نقول: التطوع قيمة عظيمة، وخدمة المجتمع عمل نبيل، لكن لا ينبغي أن يصبح التطوع بديلًا عن العمل، ولا أن يتحول إلى وسيلة لاستنزاف طاقة شاب يحتاج في الأساس إلى بناء حياته.

المعادلة التي نحتاج إلى التفكير فيها بسيطة في شكلها، لكنها صعبة في تطبيقها:

إذا كنا نريد من الشباب أن يعطوا للمجتمع، فهل وفرنا لهم ما يساعدهم على بناء حياتهم أولًا؟

هل لديه فرصة عمل حقيقية؟

هل يستطيع أن يحصل على سكن مناسب؟

هل يستطيع أن يبدأ مشروعًا صغيرًا دون أن تغرقه الإجراءات والتكاليف؟

هل يستطيع أن يتزوج ويكوّن أسرة دون أن يتحول الأمر إلى سنوات من الديون؟

هل يحصل على تدريب حقيقي يرفع من قدرته على المنافسة في سوق العمل؟

وهل يجد طريقًا واضحًا من التعليم إلى الوظيفة والإنتاج؟

هذه ليست رفاهيات.

إنها أساس الاستقرار النفسي والاجتماعي لأي جيل.
والشاب الذي يشعر أنه قادر على بناء مستقبله، سيكون أكثر استعدادًا لخدمة مجتمعه.

أما الشاب الذي يشعر أنه يركض كل يوم خلف لقمة العيش، بينما يُطلب منه في الوقت نفسه أن يقدم المزيد من وقته وطاقته مجانًا، فقد يسأل سؤالًا مشروعًا:

ومتى سأجد وقتًا لأبني حياتي؟

وهنا تحديدًا يجب أن نراجع مفهوم العمل التطوعي.

التطوع الحقيقي لا ينبغي أن يقوم على فكرة أن الشباب لديهم وقت فائض يمكن استخدامه بلا حدود.

بل يجب أن يكون مساحة لاكتساب الخبرة، وبناء المهارات، وتوسيع العلاقات، والمشاركة في حل مشكلات المجتمع، مع احترام وقت المتطوع وجهده.

ومن حق الشاب الذي يشارك في عمل عام أن يخرج منه بشيء حقيقي: خبرة، تدريب، معرفة، شبكة علاقات، شهادة موثقة، فرصة مهنية، أو تجربة تضيف إلى مستقبله.

أما أن يصبح أقصى ما يحصل عليه هو صورة بجوار مسؤول أو مسمى كبير لا يضيف إلى سيرته شيئًا، فهنا يجب أن نسأل أنفسنا: هل نحن نبني الشباب فعلًا، أم نستهلك حماسهم؟

وليس المقصود بذلك التقليل من جهود الدولة أو المؤسسات التي تفتح أبواب المشاركة أمام الشباب، فهناك بالفعل تجارب ومبادرات تستحق التقدير، وهناك شباب يعملون بإخلاص ويقدمون وقتهم لخدمة الناس دون انتظار مقابل.

لكن نجاح أي سياسة شبابية لا يقاس بعدد المؤتمرات ولا بعدد الصور.

يقاس بعدد الشباب الذين استطاعوا أن يجدوا طريقًا حقيقيًا إلى العمل والإنتاج والاستقلال.

فالمنصب لا يصنع مستقبلًا.

والكارنيه لا يصنع مهارة.

والصورة لا تدفع إيجار منزل.

والتصفيق لا يبني أسرة.

الشاب يحتاج إلى شيء أكثر واقعية من ذلك كله:
فرصة للعمل، وفرصة للتعلم، وفرصة للتمويل، وفرصة للسكن، وفرصة للمشاركة الحقيقية.

وحين تتوفر هذه الفرص، يصبح التطوع قرارًا نابعًا من الرغبة في العطاء، لا محاولة للبحث عن أي مكان يشعر فيه الشاب بقيمته.

ولذلك، فإن السؤال في اليوم العالمي للشباب لا ينبغي أن يكون فقط:

ماذا نريد من الشباب؟

بل يجب أن يكون أيضًا:
ماذا يريد الشباب من دولتهم ومجتمعهم؟

والإجابة ليست معقدة.

يريدون حياة كريمة.

يريدون عملًا.

يريدون فرصة عادلة.

يريدون أن يشعروا أن سنوات شبابهم ليست مجرد مرحلة انتظار.

يريدون أن يجدوا طريقًا واضحًا يستطيعون من خلاله أن يقولوا بعد سنوات: نحن بنينا حياتنا بأيدينا.

وهنا تصبح مسؤولية الدولة والمجتمع أكبر من مجرد مطالبة الشباب بالمشاركة.

المطلوب أن نخلق البيئة التي تجعل المشاركة ممكنة، وأن نفتح أمام الشباب أبواب العمل والإنتاج، وأن نحول طاقاتهم من مجرد حماس إلى قدرة اقتصادية ومهنية واجتماعية حقيقية.

فالشباب ليسوا فقط متطوعين نحتاج إلى جهودهم.

إنهم أيضًا قوة العمل، وأصحاب المشروعات، والمهنيون، والآباء والأمهات الذين سيشكلون المجتمع خلال السنوات المقبلة.

ومن الخطأ أن نطلب منهم أن يعطوا طوال الوقت، دون أن نسأل أنفسنا: هل منحناهم ما يكفي ليبدأوا حياتهم؟

في اليوم العالمي للشباب، ربما لا نحتاج إلى مزيد من الشعارات.

نحتاج إلى معادلة عادلة:
نعطي الشباب فرصة حقيقية لبناء حياتهم، وهم يعطون مجتمعهم من وقتهم وعلمهم وطموحهم.

نساعدهم على الوقوف على أقدامهم، ثم نطلب منهم أن يساعدوا غيرهم على الوقوف.

نفتح لهم أبواب العمل والإنتاج، ثم نطلب منهم أن يشاركوا في صناعة مستقبل بلدهم.

فالذي يريد من الشباب أن يحملوا مسؤولية المستقبل، عليه أولًا أن يساعدهم على امتلاك مستقبل.

هذه هي المعادلة التي تستحق أن نناقشها في اليوم العالمي للشباب.

ليس السؤال: هل يتطوع الشباب؟

السؤال الأهم:
هل وفرنا لهم الحياة التي تجعلهم قادرين على التطوع، والعطاء، والعمل، وبناء أسرهم، وصناعة مستقبلهم في الوقت نفسه؟

فالشباب لا يحتاجون فقط إلى من يقول لهم: أنتم المستقبل.

بل يحتاجون إلى من يساعدهم على صناعة هذا المستقبل بالفعل.

google-playkhamsatmostaqltradent