recent
أخبار ساخنة

*أوجاع* *بقلم: الكاتبة رئيسه الهلالي*

*أوجاع*  
*بقلم:  الكاتبة رئيسه الهلالي*

*أوجاع*.. إذا ذُكرت ارتجفت لها عروش الصبر وتشققت جدران التحمل ، ليست أوجاع الأبدان التي تُسكت بجرعة دواء، ولا تعب الجسد الذي يمحوَه الرقاد، إنها جحيمٌ مستعرٌ في القفص الصدري، سياطٌ من نار تجلد الروح وتحفر في سويداء القلب، أخاديد لا يضمّدها كيّ ولا يخيطها رقاء. إنها وجوهٌ متعددة لنفس السيف يضربنا بها القدر على حين غرة. منه 
ثمة أوجاع تفقدنا حلو الحياة ، منها وجع الفقد الذى يجعلك تنهض كل فجر فتمد يدك إلى دفء كان سماءك فتلامس رماداً بارداً، تُدفن الحكايات والضحكات في مقابر الذاكرة ويُشيّع من كانوا لنا وطناً إلى منفى الغياب، أن تنادي اسماً كان يرد الروح فيك فلا يجيبك إلا صدى الجدران،  أن تُقام في صدرك مآتم سرية كلما مرت رائحة أو لحن أو شارع.
 ومنها وجع *الخذلان* الذي يهشم العظام ويكسر هيبة القلب، أن تمنح الثقة بيدٍ بيضاء فتُرد إليك في نعش من النكران، أن تركض إلى من حسبتهم ظهرك وسندك  فتجد الأبواب مصفدة والوجوه أقنعة والعيون تهرب من عينيك
 ومنها وجع *السقم* الذي يجردك منك، فيستثقل فمك الماء وتستعظم قدمك الخطىٰ وتستكبر شفتاك الإبتسام، يذّكرك كل صباح أنك زجاج وأن العافية كانت ثوباً معاراً، فيصبح الجسد سجناً والأنفاس قضباناً. 
ومنها وجع *الغربة* القاتل، ليست غربة الأوطان وحسب بل غربة الروح في ديارها، أن تصبح غريبًا حتى عن ذاتك، أن تعيش وسط الزحام وحيدا غريباً لا يفقه نزيفك أحد، أن تتكلم فيسمعون الحروف ولا يفهمون المعنى، أن تحمل في جوفك علقمًا  فيحسبونه شهدا ، الغربة أن تضحك في حضرة الجمع وقلبك يبكي في ركنٍ منفرد. 
هناك أوجاع خرساء تلك  التي لا عين تُبصرها ولا لسان يشكوها، ولا يُسمع آنينها يسجنها صاحبها في زنزانة روحه ويلقي بالمفتاح في بئر الصمت، تعجز أبجديات اللغه العربيه عن شرح محتواها . يضحك للملأ وقلبه يُذبح، يمشي مرفوع الرأس وبداخله ألف إنهيار، يوزّع الطمأنينة على الناس وهو يتسولها لنفسه.
ثمة أوجاع ليس لها من دون الله كاشفة ، لا يفك قيودها ولا طلاسمها إلا الله.
ولكن أفيُترك الحديد بلا طرق؟ كلا، فالأوجاع مطرقة القدر التي تصقلنا وتخرج من الطين إنساناً، ودواءها يأتي كالغيث بعد القحط، في يد تمتد في كلمة تجبر الكسر، في سجدة في عتمة الليل تُقذف فيها الشكوى إلى من لا ينام ولا يمل
فنحن قومٌ إذا نزفنا لا نسقط، وإذا إحترقنا لا نُرمَد، وإذا أنكسرنا عدنا أشد وننهض وأوجاعنا تيجان من جمر على رؤوسنا، ونشهد الدنيا كلها أننا ذقنا الموت ألف مرة في الحياة، ومع ذلك إخترنا أن نحيا، وتألمنا.. فصرنا أقوى ولكن دون أن نقسو على من حولنا .
google-playkhamsatmostaqltradent