بقلم / نورا عواجه
ما أشبه اليوم بالبارحة... وما أقسى أن يتكرر الوجع، بينما نتعامل معه كل مرة كأنه خبر عابر ، ثم نمضي..
منذ عام ، وفي مثل هذه الأيام، ودّعنا فتيات في عمر الزهور، صبايا «نكلا العنب» خرجن من بيوت بسيطة ، يبحثن عن لقمة حلال ، فعُدن في نعوش.
وبالأمس القريب ، عاد المشهد أكثر قسوة وحرقة.. ثمانية عشر شابًا وفتاة من أهلنا في الشرقية خرجوا يطلبون أجر يوم يسد الجوع ؛ خرجوا ليعود كل منهم بـ مائة جنيه فقط... لم تكن كافية لضمان عودتهم سالمين، فعادوا في صناديق.. ولعل الفاجعة التي تدمي القلوب والعقول هي تلك الأسرة—ذلك الأب وهذه الأم—التي ودعت ستة من أبنائها في حادث واحد.. ستة أكباد تُقتطع دفعة واحدة، خرجوا جميعًا ليعودوا بـ 600 جنيه تسند البيت، فعادوا جثامين تُدفن جنبًا إلى جنب، وتركت خلفها أمًا وأبًا في ذهول الموت وفقدان العقل..نسأل الله الثبات ..
ثم جاء المشهد الاكثر استفزازا ..والذي أخرس الجميع...
بلد بأكملها تتحرك ، ووسائل التواصل تضج ، والقلوب تنتفض ، لأن «سُكر»... الكلبة المدللة... اختفت وصاحبتها تعلن ببساطة عن جائزة قدرها 2 مليون جنيه لمن يجدها...منتهى العبث...
لسنا ضد الرحمة بالحيوان، فديننا علّمنا أن في كل كائن حي أجرًا.. لكن السؤال الأكثر إلحاحًا : كيف أصبح ثمن العثور على حيوان يساوي 2 مليون جنيه ، بينما يدفن أب وأم ستة من أبنائهما ماتوا من أجل مائة جنيه ؟!
إن طرح هذا الرقم في العلن هكذا، وفي هذا التوقيت تحديدا ، ليس مجرد رفاهية أو إعلان عابر ؛ بل هو قمة الاستفزاز والعدوان النفسي على شعب مقهور، غلبان، ومظلوم.. هذا السلوك يزرع في صدر الفقير إحساسًا قاتلاً بالقهر وقلة الحيلة، يجعله يكره نفسه ويكره آدميته، حين يرى أن قيمة وجود حيوان تُقدَّر بملايين، بينما حياته وحياة أبنائه جميعًا لا تساوي أجر يومهم..لا ويدفعون حياتهم. ثمن لاحر هذا اليوم...
هذا التجاهل لكرامة الإنسان وحرمة فقرائه ليس مجرد قسوة قلب.. بل هو أكبر ظلم يتلقاه البني آدم، وجريمة أخلاقية مجتمعية تستوجب المساءلة والمحاسبة القانونية..
لقد اختل الميزان ياساده ... فأصبح استعراض الثراء أمام عين المحتاج أشد قسوة ومهانه من الفقر نفسه.. فالفقير لا يحسد أحدًا، لكنه يتألم حين يرى أن ما يُدفع في لحظة واحدة لرفاهية كائن، كفيلٌ بإنقاذ بيوت كاملة، وشراء علاج لعدد كبير من المرضي ، وسداد ديون عائلات وغارمات يُهددها السجن..
يا أصحاب الملايين...
لا تجعلوا الفقير يشعر أن مخلوقًا آخر في هذا العالم أغلى من إنسانيته. لا تستفزوا جرحًا مفتوحًا في صدور أناس ينامون وهم يحسبون ثمن الرغيف والدواء.
ارحموا الفقراء، واعلموا أن لله في أموالكم حقًا، وأن الكرامة الإنسانية خط أحمر..
فما أقسى وطنًا يموت فيه ستة إخوة من بيت واحد بحثًا عن مائة جنيه لكل منهم... ثم تهتز أركانه بالملايين بحثًا عن كلبة...
الله الله في الغلابة...
الله الله في كل أم وأب ينخلع قلبهما على أولادهم في طريق الرزق...
ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء...
وأخيراً ... أن سألوك عن العدل فى بلاد المسلمين فقل لهم مات عمر....