recent
أخبار ساخنة

من رحاب الرحمن الرحيم.. الصالحية الجديدة تحتفي بحُفّاظ كتاب الله في عرس قرآني يملأ القلوب نورًا /شيفاتايمز




حسين السمنودي

لم يكن اليوم الجمعة يومًا عاديًا داخل مسجد الرحمن الرحيم بالمجاورة الثانية عشرة بمدينة الصالحية الجديدة بمحافظة الشرقية، فبعد صلاة الجمعة تحولت أروقة المسجد إلى مساحة عامرة بالسكينة والفرحة، واجتمعت القلوب على محبة كتاب الله، في الحفل الختامي لتكريم حفظة القرآن الكريم، في مشهد جمع بين التلاوة والابتهال والإنشاد والتكريم، وعبّر بصدق عن مكانة القرآن الكريم في نفوس أبناء مدينة الصالحية الجديدة.

كان المشهد منذ بدايته يحمل خصوصية مختلفة؛ فهنا لا تُوزع شهادات أو جوائز فحسب، وإنما يُحتفى بأبناء وبنات اختاروا أن يحملوا في صدورهم أعظم كتاب، وبأسر وقفت خلفهم، وبمحفظين ومعلمين بذلوا من وقتهم وجهدهم حتى اكتملت رحلة الحفظ.

وأقيم الحفل تحت رعاية معالي الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، وبعناية فضيلة الدكتور محمد إبراهيم حامد، وكيل وزارة الأوقاف ومدير مديرية أوقاف الشرقية، وبإشراف فضيلة الشيخ ناصر عبد الأعلى، مدير الدعوة بالشرقية، وفضيلة الشيخ عبدالله خطابي، مدير عام إدارة أوقاف الصالحية الجديدة والقرين، ليأتي الحفل في إطار الاهتمام المتواصل بكتاب الله تعالى وتشجيع أبنائنا وبناتنا على حفظه وتلاوته والعمل به.

وبمجرد أن بدأت فعاليات الحفل، كان القرآن الكريم هو صاحب الكلمة الأولى، حيث استُهل اللقاء بتلاوة عطرة من أحد الشباب من حفظة كتاب الله والمكرمين في الحفل، فهدأت الأصوات، وأنصتت القلوب، وفرضت آيات الذكر الحكيم حضورها على المكان.

وكانت تلك البداية هي الأجمل والأصدق؛ لأن الاحتفاء بحفظة القرآن لا يمكن أن يبدأ إلا من القرآن نفسه.

ثم جاءت فقرة الابتهال التي قدمها فضيلة الشيخ محمد إبراهيم، فأضفت على اللقاء حالة خاصة من الخشوع والروحانية، وارتفعت الأصوات بالابتهالات الدينية في أجواء امتلأت بمحبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ليجد الحاضرون أنفسهم أمام لوحة إيمانية متكاملة.

ولأن القرآن الكريم لا يفرق في عطائه بين ولد وبنت، فقد كان لحافظات كتاب الله حضورهن المميز، من خلال فقرة الإنشاد الخاصة بالفتيات من حافظات القرآن الكريم، حيث قدمت الفتيات صورة مشرقة تؤكد أن حفظ كتاب الله ليس قاصرًا على فئة أو عمر، وإنما هو باب مفتوح لكل من أراد أن يحمل كلام الله في قلبه.

وكانت مشاركة الفتيات واحدة من أجمل رسائل الحفل، فالفتاة التي تحفظ كتاب الله تحمل معها مشروعًا أخلاقيًا وتربويًا، والأسرة التي تدفع ابنتها إلى طريق القرآن إنما تستثمر في بناء شخصية قادرة على مواجهة الحياة بقيم راسخة وأخلاق مستقيمة.

ثم جاءت كلمة الإدارة التي قدمها فضيلة الدكتور الشيخ عثمان أحمد، كبير مفتشي إدارة أوقاف الصالحية الجديدة والقرين، والتي حملت الكثير من المعاني المرتبطة بفضل القرآن وأهل القرآن، وأهمية أن يكون حفظ كتاب الله بداية للعمل به والاقتداء بما جاء فيه من قيم عظيمة.

فالقرآن الكريم لا ينبغي أن يبقى محفوظًا في الصدور فحسب، وإنما يجب أن يظهر أثره في السلوك والمعاملة، في الصدق والأمانة والرحمة والتسامح واحترام الآخرين، لأن أعظم تكريم للقرآن هو أن يتحول إلى أخلاق يمشي بها الإنسان بين الناس.

ولم يكن اختيار مسجد الرحمن الرحيم بالمجاورة الثانية عشرة مكانًا لهذا الحفل مجرد اختيار لموقع، فالمسجد في النهاية هو بيت من بيوت الله، والمكان الطبيعي الذي تُكرّم فيه الأجيال التي ارتبطت بكتاب الله، وتُزرع فيه معاني الإيمان في نفوس النشء.

وقد تولى تقديم الحفل فضيلة الشيخ محمد صلاح العليمي، إمام وخطيب ومدرس مسجد الرحمن الرحيم بالمجاورة الثانية عشرة، حيث نجح في إدارة فقرات اللقاء بصورة منظمة، وربط بين فقراته المختلفة، ليظهر الحفل بالشكل الذي يليق بمناسبة عظيمة كتكريم حفظة كتاب الله.

وشهد الحفل كذلك حضور الأستاذ عبد المنعم شاهين، عضو مجلس إدارة المسجد، إلى جانب المشاركين والحاضرين، في صورة تؤكد أن نجاح مثل هذه المناسبات لا يتحقق بجهد فرد واحد، وإنما هو ثمرة تعاون بين رجال الدعوة والقائمين على المساجد وأولياء الأمور وأبناء المجتمع.

وإذا كان للحفل أبطال، فإن الأبطال الحقيقيين هم أولئك الذين وقفوا اليوم في مقدمة المشهد وهم يحملون شرف حفظ القرآن الكريم.

هؤلاء الحفظة لم يصلوا إلى هذه اللحظة في يوم وليلة؛ وراء كل حافظ قصة طويلة من الحفظ والمراجعة والتكرار، ووراء كل حافظة أم سهرت، وأب بذل وشجع، ومحفظ علّم وصبر، وأسرة آمنت بأن أعظم ما يمكن أن تقدمه لأبنائها هو أن تربطهم بكتاب الله.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذه الاحتفالات؛ فهي لا تمنح المكرمين فرحة التكريم فقط، وإنما تمنحهم أيضًا شعورًا بأن المجتمع يرى جهدهم ويقدره، وأن ما بذلوه من وقت وجهد لم يكن أمرًا عابرًا.

وفي زمن تتعدد فيه مصادر التأثير على أبنائنا، وتتنافس فيه الأفكار والمحتويات على عقولهم وقلوبهم، تصبح العودة إلى القرآن الكريم ضرورة تربوية وأخلاقية، وليس مجرد نشاط عابر.

فالطفل الذي يتعلم القرآن يتعلم الصبر، والحفظ، والانضباط، والمراجعة، والالتزام، وقبل كل ذلك يتعلم أن في الحياة ثوابت وقيمًا لا ينبغي التفريط فيها.

ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي يقوم به رجال الدعوة في مدينة الصالحية الجديدة، فالمسجد ليس مكانًا للصلاة فقط، وإنما هو مدرسة مفتوحة، ومنارة علم، ومركز إشعاع أخلاقي واجتماعي، ومكان تلتقي فيه الأجيال على الخير.

وتؤكد مثل هذه الاحتفالات أن الصالحية الجديدة تمتلك نماذج مشرفة من أبناء وبنات المجتمع الذين يستحقون الدعم والتشجيع، وأن هناك رجالًا من أبناء الدعوة يعملون على رعاية هذه المواهب القرآنية وإبرازها والاحتفاء بها.

كما أن هذا الحفل يعكس صورة مهمة من صور التعاون بين المؤسسات الدينية وأبناء المجتمع، فحين تتكامل جهود الوزارة والمديرية والإدارة والأئمة ومجالس إدارات المساجد وأولياء الأمور، تكون النتيجة جيلًا أكثر ارتباطًا بدينه وقيمه، وأكثر قدرة على أن يكون عنصرًا صالحًا ونافعًا في وطنه.

إن تكريم حافظ القرآن ليس تكريمًا لشخص واحد، بل هو تكريم لأسرة كاملة، ولمعلم، ولمحفظ، ولمجتمع، ولمسجد، ولكل من ساهم في وصول هذا الحافظ إلى هذه المكانة.

وما أجمل أن يرى الأب ابنه أو ابنته يقف في مسجد من بيوت الله وقد أكرمه الله بحفظ كتابه، وما أجمل أن ترى الأم ثمرة صبرها وهي تسمع آيات القرآن على لسان ابنتها، وما أجمل أن يشعر المعلم أن السنوات التي قضاها في التعليم والمراجعة قد أثمرت أمام عينيه.

إنها لحظات لا تُقاس بقيمة جائزة أو شهادة، لأن قيمة القرآن أكبر من كل ذلك.

وفي مدينة الصالحية الجديدة، جاءت هذه المناسبة لتقول إن القرآن ما زال بخير، وإن أبناءنا ما زالوا قادرين على أن يصنعوا لأنفسهم طريقًا مختلفًا، وإن المسجد ما زال قادرًا على أن يجمع الناس حول قيمة عظيمة تتجاوز حدود المناسبة إلى بناء الإنسان نفسه.

كل التحية والتقدير لكل من ساهم في إنجاح هذا العرس القرآني، وفي مقدمتهم معالي الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، وفضيلة الدكتور محمد إبراهيم حامد، وكيل وزارة الأوقاف ومدير مديرية أوقاف الشرقية، وفضيلة الشيخ ناصر عبد الأعلى، مدير الدعوة بالشرقية، وفضيلة الشيخ عبدالله خطابي، مدير عام إدارة أوقاف الصالحية الجديدة والقرين، وفضيلة الدكتور الشيخ عثمان أحمد، كبير مفتشي الإدارة، وفضيلة الشيخ محمد صلاح العليمي، إمام وخطيب ومدرس مسجد الرحمن الرحيم، وكل من شارك في الإعداد والتنظيم والحضور.

والتحية الأكبر لأهل القرآن، أولئك الذين اختاروا الطريق الأصعب والأجمل، طريق الحفظ والمراجعة والصبر.

يا حفظة كتاب الله.. لا تجعلوا يوم التكريم نهاية الطريق، بل اجعلوه بداية جديدة.

احفظوا القرآن في صدوركم، واحفظوا معه أخلاقه في حياتكم، واجعلوا آياته نورًا في بيوتكم، ورحمة في تعاملاتكم، وصدقًا في كلماتكم، وأمانة في أعمالكم.

فليس أجمل من إنسان يحمل القرآن في صدره، إلا إنسان يحمل القرآن في صدره وتحمل أخلاقه أفعاله.

واليوم، من مسجد الرحمن الرحيم بالمجاورة الثانية عشرة، لم تكن الرسالة مجرد احتفال بحفظة كتاب الله، وإنما كانت رسالة أمل كاملة تقول لنا جميعًا:

ما دام في بيوتنا أبناء يحفظون القرآن، وفي مساجدنا رجال يكرمون أهله، وفي مجتمعنا أسر تدفع أبناءها إلى كتاب الله، فإن الخير باقٍ، والنور باقٍ، والأمل في الأجيال القادمة باقٍ بإذن الله.
google-playkhamsatmostaqltradent