الدبة التي قتلت صاحبها..
بقلم / نورا عواجه
ليست كل الجراح تأتي من يدٍ تبغضنا، فبعضها يولد في قلبٍ أحبّ أكثر مما ينبغي، وخاف أكثر مما يحتمله الآخرون. فالحب، حين يفقد اتزانه، قد يتحول من حضنٍ دافئ إلى قيدٍ ثقيل، ومن رغبةٍ صادقة في الحماية إلى أذى لم يكن في الحسبان . ولعل أكثر المآسي وجعًا أن تكون النية طاهرة، والغاية رحمة... ثم تأتي النتيجة على خلاف كل ذلك..
ولهذا ، كلما سمعت حكاية
"الدبة التي قتلت صاحبها"، لم أراها يومًا مجرد قصة يُضرب بها المثل في الجهل وسوء التقدير، بل رأيتها بعينٍ أخرى... عينٍ يقطر منها الحنان والحزن معًا. رأيتها رمزًا للمحبة التي تفيض حتى تغرق من تحب، وللخوف الذي يشتد حتى يصبح حصارًا. تلك الدبة لم تكن تكره صاحبها، بل كانت تحبه حبًا هائلًا جعلها تظن أن ضربتها ستحميه، ولم تكن تعلم أن طاقة حبها كانت أكبر من قدرة من أحبته على الإحتمال..
وربما لهذا السبب لامستني هذه الحكاية؛ لأنني رأيت فيها شيئًا مني. لقد وهبني الله قلبًا يقع فى الاشياء وقوعا عميقاً
لا يعرف المنتصف، ولا يجيد الوقوف في المناطق الرمادية؛ قلبًا إذا أحب، أندفع بكل ما يحمل من مشاعر .. بكل خوف، وبكل لهفه، وبكل ما يملك من حرص.. لا أعرف أن أحب بنصف قلب، ولا أن أقلق بنصف مشاعري..
لكنني أدركت مؤخرًا، وبكثير من الألم ، أن المشاعر وحدها لا تكفي، وأن التدفق العظيم قد يُساء فهمه. فقد يرى البعض في كثرة السؤال وصاية، وفي فرط الحرص تضييقًا، بينما لا يكون في القلب إلا محبة خالصة ترتجف خوفًا. ويعزّ عليّ كثيرًا أن تُترجم طهارة النية إلى رغبة في التملك، ويشهد الله أنني ما تمنيت يومًا أن أكون قيدًا، بل كنت دائمًا أرجو أن أكون السند والملجأ الحنون، لا السجان الذي يحصي الأنفاس...
رساله إلى كل من يسكن قلبي..
إلى ابنائى وعائلتي، وإلى كل روحٍ كتب الله لها مكانًا فريدا في قلبي:
إن مشاعري نحوكم ليست قرارًا اتخذته، بل رزقٌ وسلطانٌ ساقه الله إلى قلبي فغلبني وغلب إرادتي .. فأصبح سلامكم جزءًا من سلامي ، فإن كنت قد آذيتكم يومًا بفيض محبتي، أو أثقلت كواهلكم بكثرة خوفي عليكم.. فسامحوني..
والله ما كان قصدي إلا أن أحميكم بما استطعت، لكنني كنت أجهل أحيانًا أن بعض الحماية، إذا تجاوزت حدها، تتحول إلى عبء..
كل ما أرجوه منكم اليوم دعوة صادقة بظهر الغيب؛ أن يرزقني الله حسن التصرف، ونور البصيرة، وسعة الحكمة، وأن يعلمني كيف أمنح الحب بالصورة التي تُسعدكم، لا بالصورة التي يفرضها خوفي عليكم..
وما زلت وسأظل ماحييت أؤمن أن القلوب اللينة ليست عيبًا، بل هي هبة ونعمة من الله في زمنٍ جفت فيه ينابيع الرحمة. هي قلوب تستحق أن تُفهم قبل أن تُدان، لأنها لم تتعلم كيف تؤذي عن قصد... قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بمن يحرم على النار، أو بمن تحرم عليه النار؟ على كل قريبٍ هينٍ لينٍ سهل.»
فاللهم اجعلنا من هؤلاء الهينين اللينين، المطمئنين والمطمئِنين، واجعل قلوبنا رحمةً لا عبئًا، وسكينةً لا قيدًا. سأظل أحبكم بكل ما أملك... لكنني أتعلم الآن، كل يوم، أن أترك لقلوبكم متسعًا تتنفس فيه، ولأرواحكم مساحةً تحلّق بها؛ لأن أجمل أنواع الحب هو ذلك الذي يمنح الأمان... دون أن يسلب الحرية...

