حسين السمنودي
يا عم منصور... يا مروِّحَ البلد، إذا شددتَ الرحال عائدًا إلى الوطن، فاحمل معك سلامًا أثقلته السنون، وأودعْه في أول نسمةٍ تعبر الحقول، وفي أول نخلةٍ تستقبل العائدين، وفي أول بابٍ ما زال ينتظر خطى الأحبة. أخبر البلاد أن أبناءها، وإن باعدت بينهم المسافات، فإن قلوبهم لم تغادرها يومًا، وأن الغربة لا تستطيع أن تنتزع من الروح جذورها، مهما أوغلت في أعماق العمر.
قل لها إن المنافي لا تُقاس ببعد المسافات، وإنما تُقاس بمقدار الشوق الذي يبيت في الصدور كل مساء. فما أقسى أن ينام المرء بين آلاف الوجوه، ثم يستيقظ فلا يجد وجهًا واحدًا يعرف تفاصيله، ولا صوتًا يألفه، ولا طريقًا يحفظ وقع خطواته.
سلِّم على الطرقات التي حفظت صخب الطفولة، وعلى البيوت التي كانت تفتح أبوابها قبل أن تُطرق، وعلى الأشجار التي شهدت أحلام الصغار وهي تكبر معهم عامًا بعد عام. سلِّم على المآذن التي كانت تملأ الفجر سكينة، وعلى الحقول التي كانت تكسو القلب خضرةً قبل أن تكسو الأرض سنابلها، وعلى النيل الذي كان يجري في العروق كما يجري في مجراه، فيمنح الأرواح طمأنينة لا يعرفها إلا من ابتعد عنه.
وأخبر الوطن أن الغريب كلما ازداد نجاحًا، ازداد يقينًا بأن الإنجازات تفقد نصف بريقها إذا لم يجد من يقتسم معه فرحتها. فما قيمة مدينةٍ تتلألأ أضواؤها إذا خلت من دفء الأهل؟ وما جدوى الطرق الواسعة إذا لم تؤدِّ إلى بيت الأم؟ وما نفع العمر إذا مضى بعيدًا عن الأرض التي تعلَّم الإنسان فوق ترابها أولى خطواته؟
قل لأمي إن دعاءها كان السفينة التي عبرت بي أمواج الغربة، وإن صورتها لم تغب عن ذاكرتي يومًا، مهما ازدحمت الأيام بالوجوه والأحداث. وقل لأبي إن وصاياه ما زالت تنير الطريق كلما أظلمت الدروب، وإن الابن قد يبتعد بجسده، لكنه لا يستطيع أن يهاجر من قلب أبيه.
يا عم منصور...
إذا وطئتَ أرض الوطن، فلا تعبرها مسرعًا، بل تمهَّل قليلًا، وأنصت إلى نبضها. ستسمع حكاياتٍ لا ترويها الكتب، وستشم رائحة التاريخ ممزوجةً بتراب الأرض، وستدرك أن للأوطان لغةً لا تُترجمها الكلمات، وإنما يفهمها القلب وحده.
فالوطن ليس رقعةً من الأرض تُحدُّها الخرائط، ولا اسمًا يُكتب في الوثائق، بل هو ذاكرة الإنسان حين يحن، ودمعته حين يشتد الشوق للوطن.