بقلم: أسماء مالك
لم يكن خبر وفاة إحدى المعلمات من محافظة أسوان أثناء انتدابها لأعمال الامتحانات بمحافظة البحيرة مجرد خبر عابر في موسم الامتحانات المزدحم بالأحداث. فقد أعاد هذا الخبر إلى الواجهة ملفًا قديمًا يتجدد كل عام، لكنه لا يحظى بما يستحقه من نقاش جاد، وهو ملف انتدابات المعلمين والمعلمات لأعمال الامتحانات، وما يرتبط به من أعباء إنسانية ومادية وإدارية.لا أحد يختلف على أهمية الانضباط في منظومة الامتحانات، ولا على ضرورة توفير عناصر رقابية تضمن النزاهة والشفافية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه دائمًا: هل تحقق المنظومة الحالية هذا الهدف بأقل قدر ممكن من المشقة على المعلمين، أم أن بعض الإجراءات تحتاج إلى مراجعة تواكب المتغيرات التي شهدها المجتمع خلال السنوات الأخيرة؟تزداد حساسية هذا السؤال عندما يتعلق الأمر بالمعلمات المنتدبات خارج محافظاتهن. فالسفر لمسافات طويلة، والإقامة بعيدًا عن الأسرة، وتحمل أعباء التنقل والظروف الطارئة، كلها تحديات لا يمكن تجاهلها عند وضع خطط الانتداب. والمطلوب هنا ليس إلغاء الانتداب، وإنما البحث عن آليات أكثر مرونة وعدالة تراعي الظروف الاجتماعية والإنسانية دون الإخلال بمقتضيات العمل.وفي الوقت نفسه، يبرز ملف آخر لا يقل أهمية، وهو ملف المستحقات المالية لأعمال الامتحانات. فمن غير المنطقي أن يتحمل المعلم نفقات السفر والإقامة والطعام والمواصلات من ماله الخاص، ثم ينتظر شهورًا طويلة للحصول على مستحقاته. فالمعلم يؤدي مهمة رسمية بتكليف من الدولة، ومن الطبيعي أن تتوافر له التيسيرات المالية اللازمة قبل أداء المهمة لا بعدها.والواقع أن المشكلة لا تتوقف عند تأخر الصرف فقط، بل تمتد إلى الفجوة بين ما ينفقه المعلم فعليًا وما يحصل عليه لاحقًا من مستحقات. فتكاليف المعيشة والمواصلات تتغير باستمرار، بينما تبقى بعض البنود المالية بحاجة إلى مراجعة دورية تضمن قدرًا من التوازن بين التكلفة الحقيقية والعائد المستحق.ومن الإنصاف الإشارة إلى أن طبيعة التعليم الفني تفرض خصوصية معينة في بعض الانتدابات. فهناك امتحانات عملية تحتاج بالفعل إلى معلمين متخصصين في المجالات الصناعية أو التجارية أو الفندقية، ولا يمكن إسنادها إلى غير المتخصصين. غير أن هذا لا ينفي الحاجة إلى إعادة النظر في توزيع الانتدابات، وتقليل المسافات البعيدة قدر الإمكان، والاستفادة من الكوادر المتاحة داخل النطاقات الجغرافية الأقرب.إن الحديث عن المعلم لا ينبغي أن يقتصر على الشعارات أو كلمات التقدير الموسمية. فالتقدير الحقيقي يبدأ من توفير بيئة عمل عادلة تحفظ كرامته وتراعي ظروفه وتخفف عنه الأعباء غير الضرورية.ولعل أفضل تكريم يمكن تقديمه للمعلم اليوم هو أن نراجع كل إجراء يضيف إلى أعبائه دون مبرر، وأن نسأل أنفسنا بصدق: هل أصبح أداء الواجب المهني يستلزم من المعلم أن يتحمل من ماله وصحته واستقراره الأسري أكثر مما ينبغي؟إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون بداية الطريق نحو إصلاح يستحقه المعلم، وتستحقه العملية التعليمية بأكملها.