recent
أخبار ساخنة

شهداء قرية الروضة بسيناء.. في روضةٍ من الأرض إلى السماء /شيفاتايمز

شيفاتايمز SHEFATAIMS

 حسين السمنودي

في ذكرى تحرير سيناء، تقف الكلمات عاجزة أمام مشهدٍ لا يُنسى، مشهدٍ امتزج فيه الدم الطاهر بخشوع السجود، وتحوّل فيه بيت الله إلى شاهدٍ على جريمةٍ تهتز لها السماوات قبل الأرض. هنا، في قرية الروضة ببئر العبد، لم يكن يومٌ عادي، بل كان امتحانًا قاسيًا للإنسانية، وسطرًا من نورٍ في سجل الشهادة، كتبه رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
شهداء مسجد الروضة لم يكونوا في ساحة قتال، ولم يحملوا سلاحًا، بل كانوا بين يدي الله، ركوعًا وسجودًا، قلوبهم معلّقة بالسماء، وأرواحهم مطمئنة بذكره، فإذا برصاص الغدر يخترق الصمت، وإذا بالخسة تنفجر في أبشع صورها، تستهدف أطهر لحظات الإنسان، وتقتل المصلين بدمٍ بارد، لا دين يردع، ولا إنسانية تمنع.
أي خسة تلك التي تجعل إنسانًا يوجّه سلاحه إلى صدر ساجد؟
أي نذالة تلك التي لا تفرّق بين شيخٍ وطفل، بين رجلٍ جاء يطلب الرحمة، وآخر يهمس بالدعاء؟
إنها ليست جريمة فقط، بل سقوط أخلاقي مدوٍ، يكشف وجوهًا لا تعرف الله، ولا تعرف معنى الوطن، ولا تعرف قدسية الدم.
لكن، كما أراد القتلة أن يجعلوا من المسجد ساحة رعب، جعل الله منه روضةً من رياض الجنة، ارتقت منها أرواح الشهداء في لحظةٍ واحدة، وكأن السماء كانت تنتظرهم، تفتح أبوابها لتحتضنهم، وتقول لهم: سلامٌ عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار.
ويبقى المشهد الأصعب… ليس في لحظة الاستشهاد، بل في عيون الأمهات، في صبر الزوجات، في قلوب الأطفال الذين فقدوا سندهم.
هناك أمٌ ما زالت تحتفظ بثوب ابنها، تشمّه كل ليلة، وكأنها تبحث فيه عن بقايا حضنٍ لم يعد.
وهناك زوجةٌ تحوّل وجعها إلى صبر، وتربّي أبناءها على أن أباهم لم يمت، بل صار نجمًا في السماء، وشاهدًا على الحق، وعنوانًا للفخر.
وهناك طفلٌ يسأل: لماذا قُتل أبي؟ فلا يجد من الإجابة إلا دمعةً تختنق في الحلق، ودعاءً بأن يكبر وهو يحمل معنى الشهادة، لا ألم الفقد فقط.
هؤلاء النساء لسن مجرد زوجاتٍ وأمهات شهداء، بل هنّ شريكات في البطولة، صانعات للصبر، حارسات للذاكرة، ينسجن من الألم قوة، ومن الفقد كرامة، ومن الحزن عزيمة لا تنكسر. لقد حملن عبء الحياة بعد أن حمل أزواجهن وأبناؤهن شرف الشهادة، فاستحققن أن يُكتب أسماؤهن بجوارهم في سجل المجد.
وفي ذكرى تحرير سيناء، ندرك أن الأرض التي رُويت بدماء الجنود في ميادين القتال، هي أطهر بقاع الارض.
google-playkhamsatmostaqltradent