المواطن أولًا… حين تتحول الشكوى إلى حق يُصان.يوم المواطن الإسمعيلاوي
.. حسين السمنودي
الإسماعيلية
في زمن تتسارع فيه التحديات وتتداخل فيه الملفات، تظل قيمة الإنسان هي المعيار الحقيقي لنجاح أي مسؤول، وتبقى كرامة المواطن هي الاختبار الأصدق لأي منظومة إدارية تسعى إلى الاستقرار والبناء. ومن هنا تأتي أهمية اللقاءات الجماهيرية التي تعيد صياغة العلاقة بين المواطن والمسؤول، لا باعتبارها علاقة شكوى واستجابة فقط، بل باعتبارها شراكة قائمة على الاحترام والحق والواجب.
ما شهدته محافظة الإسماعيلية مؤخرًا ليس مجرد لقاء تقليدي لتلقي الطلبات، بل هو مشهد يعكس فلسفة مختلفة في الإدارة، تقوم على فتح الأبواب والاستماع المباشر دون حواجز، حيث استقبل محافظ الإسماعيلية مئات المواطنين في ديوان عام المحافظة، في صورة تعكس إدراكًا حقيقيًا بأن صوت الناس لا يجب أن يُؤجل، وأن معاناتهم لا تحتمل الروتين أو التعقيد.
اللافت في هذا المشهد لم يكن عدد الحضور فقط، بل طبيعة الرسالة التي حملها المحافظ في كلماته، حين أكد أن المطالبة بالحق ليست ضعفًا، بل هي عنوان للكرامة، وأنه لا يقبل أن يرى مواطنًا منكسِرًا على أرض الإسماعيلية. هذه الكلمات، رغم بساطتها، تحمل في طياتها تحولًا مهمًا في طريقة التفكير، حيث يصبح المواطن شريكًا لا متلقيًا، وصاحب حق لا صاحب طلب.
تنوعت الشكاوى بين قضايا الخدمات، وتقنين الأوضاع، وتراخيص البناء، والبحث عن فرص عمل، إلى جانب الحالات الإنسانية التي تحتاج إلى تدخل عاجل، وهو ما يعكس صورة حقيقية للمجتمع بكل ما فيه من تحديات وآمال. لكن الأهم من عرض المشكلات، هو آلية التعامل معها، حيث تم توجيه الجهات المختصة بدراسة كل حالة على حدة، في إطار القانون، مع التأكيد على سرعة الرد وعدم تأجيل أي طلب مستوفٍ للشروط.
وهنا تتجلى قيمة الإدارة الرشيدة، التي لا تكتفي بالاستماع، بل تتحرك نحو الحل، ولا تكتفي بالوعود، بل تضع آليات واضحة للتنفيذ والمتابعة. فحين يتم تحويل كل طلب إلى ملف مدروس، وكل شكوى إلى قرار محتمل، فإننا نكون أمام منظومة تحترم عقل المواطن قبل أن تستجيب لطلبه.
كما أن استمرار هذه اللقاءات بشكل أسبوعي يرسخ مبدأ الاستمرارية، ويؤكد أن الأمر ليس مجرد مبادرة عابرة، بل نهج ثابت يسعى إلى بناء جسور ثقة حقيقية بين المواطن والدولة. فالثقة لا تُبنى بالكلمات، بل تتراكم بالمواقف، وتترسخ عندما يرى المواطن أثر ما قاله على أرض الواقع.
ولعل الأهم في هذا كله هو ما يشعر به المواطن نفسه، حين يجد من يستمع إليه، ويتعامل مع مشكلته بجدية، ويضعها في موضع الاهتمام. هذا الشعور لا يُقدّر بثمن، لأنه يعيد للإنسان إحساسه بقيمته، ويؤكد له أن صوته مسموع، وأنه ليس وحده في مواجهة تعقيدات الحياة.
إن إدارة الملفات الخدمية لم تعد مجرد أرقام وتقارير، بل أصبحت مسؤولية إنسانية في المقام الأول، تتطلب وعيًا، وسرعة استجابة، وعدالة في التعامل، وهو ما يظهر بوضوح في التأكيد على تحقيق المساواة بين جميع المواطنين، دون تمييز، وفي إطار القانون الذي يحفظ الحقوق وينظم الواجبات.
وفي النهاية، فإن ما يحدث في الإسماعيلية يقدم نموذجًا يمكن البناء عليه، حيث تتحول اللقاءات الجماهيرية من إجراء روتيني إلى منصة حقيقية لصناعة القرار، ومن مساحة للشكوى إلى مساحة للأمل. نموذج يؤكد أن الدولة القوية ليست تلك التي تملك السلطة فقط، بل التي تقترب من مواطنيها، تستمع إليهم، وتعمل من أجلهم.
ويبقى الرهان الحقيقي دائمًا على الاستمرار، لأن البدايات الجيدة تحتاج إلى إرادة تحافظ عليها، وتطورها، وتمنحها القدرة على مواجهة التحديات. فالمواطن حين يثق، يعطي، وحين يشعر بالعدل، ينتمي، وحين يرى حقه يُصان، يدافع عن وطنه بكل قوة.
وهكذا تُبنى الأوطان… لا بالصوت العالي، بل بالفعل الصادق.

