في إحدى الليالي كنت في زيارة إلى ديوان بو هليبة العامر. خارج الديوان كانت أصوات القصف الإيراني تتردد في الأجواء، وأحاديث الناس تدور حول ما يجري في المنطقة. لكن داخل المجلس كان هناك شيء مختلف؛ هدوء الرجال الذين اعتادوا أن ينظروا للأحداث بعين الخبرة لا بعين الخوف.
جلس بيننا العم قطيم خريص بو هليبة، رجل يحمل في ملامحه وقار السنين، وفي صوته ذلك الهدوء الذي لا يأتي إلا من تجربة طويلة مع الحياة. لم يكن المجلس رسميًا، ولا كان الحديث مرتبًا كخُطب المنابر، بل كان حديثًا عفويًا بدأ بقصة… وانتهى برسالة.
بدأ يستعيد ذكرياته أيام الغزو العراقي الغاشم للكويت. تحدث عن تلك الأيام التي تغيّرت فيها حياة الناس فجأة، حين صار الوطن هو القضية الأولى في حياة كل رجل. حكى كيف وقف مع رجال الكويت في صفوف المقاومة الوطنية، وكيف كان الخوف حاضرًا، لكن الواجب كان أكبر من الخوف.
لم يكن حديثه بطوليًا بالشكل الذي نراه في الأفلام، بل كان صادقًا… وهذا ما جعله أكثر تأثيرًا. كان يتحدث كما يتحدث أي رجل عن واجب قام به لأنه ببساطة لا يستطيع أن يفعل غيره.
ثم التفت إلى الشباب الجالسين في المجلس، وقال جملة بدت بسيطة لكنها عميقة:
“احفظوا الكويت… فهي الخز الموشى بالذهب.”
سكت قليلًا، ثم أكمل بأن الوطن لا يحميه الكلام، بل يحميه الرجال عندما يقفون صفًا واحدًا خلف قيادتهم، ويقدمون الغالي والنفيس إذا احتاجهم الوطن. كانت كلمات أشبه بوصية، لا موجّهة للحاضرين فقط، بل لكل جيل قادم.
وأنا أستمع إليه، تذكرت معنى العبارة التي طالما سمعتها: الهليبات فرسان كابر عن كابر. ليست مجرد عبارة فخر، بل وصف لحقيقة؛ قيم تتوارثها الأجيال، وشهامة تنتقل من الآباء إلى الأبناء.
أما أنا، وأنا وافد أعيش على هذه الأرض الطيبة، فقد تعلمت من هذه المجالس أكثر مما تعلمت من كثير من الكتب. الكويت بالنسبة لي كانت دائمًا الشقيقة الصغرى لمصر؛ بلد صغير في مساحته، لكنه كبير بأفعاله ورجاله ومواقفه.
وفي نهاية تلك الليلة خرجت بفكرة بسيطة لكنها كبيرة: أن الأوطان تُبنى برجال يضعونها في قلوبهم قبل أن يرفعوا اسمها في الشعارات.
لذلك لا أملك إلا أن أدعو من القلب:
أن يحفظ الله الكويت ومصر، وأن يديم عليهما الأمن والرخاء، وأن يحفظ جميع أقطار الأمة العربية والإسلامية، وأن تبقى هذه الأمة قادرة على أن تُخرج من مجالسها رجالًا يشبهون أولئك الذين عرفوا معنى الوطن…