بقلم: أسماء مالك
مات الصوت .. وبقي الصدى.
بالأمس أسدل الستار على حكاية واحد من رجال الميكروفون الكبار. لكن الحكاية لم تكن إذاعة فقط .. كانت إنسانًا يعرف متى يتكلم، ومتى يسامح.
في قرية “الرئيسية” بنجع حمادي، وُلد فهمي عمر في 6 مارس 1928. لم يكن أحد يتصور أن الفتى الصعيدي الهادئ سيصبح يومًا “شيخ الإذاعيين”، وأن صوته سيعبر البيوت قبل أن تعبرها الكهرباء.
تخرج في كلية الحقوق عام 1949، لكنه اختار أن يكون محاميًا عن الناس بصوته. دخل الإذاعة عام 1950، وبعد عامين فقط، فتح الميكروفون ليلة 23 يوليو لمحمد أنور السادات ليقرأ بيان الثورة الأول. كانت لحظة تاريخية… وكان فهمي هناك.
37 عامًا قضاها في مبنى الإذاعة. تدرج في المناصب حتى أصبح رئيسًا للإذاعة المصرية بين 1982 و1988. أسس الإذاعة الرياضية، وقدم برامج ثقافية ورياضية، لكن يبقى برنامجه الأشهر “ساعة لقلبك” علامة مضيئة، خرج منه نجوم ضحكوا مصر كلها.
لكن الحكاية الأهم لم تُذَع على الهواء.
عام 1995، كان الاستاذ فهمي عمر مرشحا والانتخابات كانت مشتعلة وهناك توتر، أعصاب مشدودة، نار تحت الرماد.
فجأة .. أطلقت أعيرة الرصاص.
شاب يسقط قتيلًا. هذا الشاب كان ابن فهمي عمر.
البلد انتظرت الدم. الصعيد يعرف معنى الثأر. الجميع كان يتوقع مجزرة.
وقف الأب المكسور، وقال جملة واحدة:
“عفونا عن القاتل.”
بهذه الكلمات انتهت الفتنة.
لم يأخذ بثأره، لأنه كان يخاف على البلد من سلسلة دم لا تنتهي. قالها وهو يتألم، لكنه كان حكيم فوقف الجميع له احترامًا.
لم يبتعد فهمي يومًا عن بلدته. كان يزورها مرتين في العام. بنى مسجدًا.
ورحل عن عمر يناهز 98 عامًا.
قبل رمضان بأيام، جمع أهل بلدته على مائدة كبيرة. زار مطرانية نجع حمادي ليهنئهم بالشهر الكريم، فجاؤوه بفانوس. كان يريد أن يقول لهم: نحن أهل… مهما اختلفنا.
لم ينتظر كرسي البرلمان ليسمع الناس. كان يخبط على الأبواب بنفسه. يسأل. يطمئن. يساعد.
رحل شيخ الإذاعيين الأسناذ فهمي عمر .. لكن بقيت صورته وصدى صوته.
رحم الله الإذاعي الكبير الأستاذ فهمي عمر .