كتبت هدى العيسوى
في توقيت تشهد فيه الاقتصادات العالمية ضغوطًا غير مسبوقة، وتتصاعد فيه وتيرة الأخبار السلبية المرتبطة بالتضخم، وتقلبات العملات، وأسواق المال، يصدر كتاب «تروما الصحافة الاقتصادية» للكاتب والصحفي وائل الطوخي، ليكشف عن جانب مسكوت عنه داخل المهنة: الأثر النفسي لتغطية الأزمات الاقتصادية على الصحفيين أنفسهم.
الكتاب، الصادر عن دار ميثاق للنشر والتوزيع، يُعد أول عمل بحثي عربي يتناول بشكل منهجي مفهوم الصدمة النفسية والاحتراق الوظيفي لدى الصحفيين الاقتصاديين، ويضعه في سياق مهني وإنساني يتجاوز الصورة التقليدية للصحافة بوصفها مهنة نقل معلومات فقط.
الصحفي الاقتصادي.. شاهد يومي على القلق المجتمعي
ينطلق الكتاب من فرضية أساسية مفادها أن الصحفي الاقتصادي لا يغطّي حدثًا عابرًا، بل يعيش داخل دائرة ضغط مستمرة، ناتجة عن المتابعة اليومية لتداعيات الأزمات على حياة الناس، من ارتفاع الأسعار وتآكل الدخول، إلى فقدان الوظائف وتراجع القدرة الشرائية.
ويشير الطوخي إلى أن هذا النوع من التغطية يولّد ما يمكن تسميته بـ «التروما الاقتصادية»، وهي صدمة نفسية تراكمية تختلف في طبيعتها عن الصدمات المرتبطة بالحروب والكوارث، لكنها لا تقل عنها تأثيرًا، خاصة مع غياب نهاية واضحة للأزمات الاقتصادية.
عندما تتحول الأرقام إلى عبء نفسي
يوضح الكتاب أن خطورة الصحافة الاقتصادية تكمن في أن الأرقام لا تبقى أرقامًا، بل تتحول إلى قصص إنسانية حقيقية، وهو ما يضع الصحفي في مواجهة دائمة مع مشاعر القلق والخوف والعجز، في ظل التزامه المهني بنقل الواقع كما هو، دون القدرة على تغييره.
ويرى الطوخي أن الصحفي الاقتصادي يتحمل عبئًا مزدوجًا:
مسؤولية الدقة والحياد من جهة، وضغط التأثير النفسي لما يكتبه على الجمهور من جهة أخرى.
غياب الدعم داخل غرف الأخبار
يرصد الكتاب فجوة واضحة بين أوضاع الصحفيين الاقتصاديين في المؤسسات الإعلامية الكبرى عالميًا، ونظرائهم في العالم العربي، حيث تفتقر غالبية المؤسسات العربية إلى آليات الدعم النفسي المؤسسي، أو حتى الاعتراف الرسمي بالاحتراق النفسي كأحد مخاطر المهنة.
في المقابل، تتمتع مؤسسات إعلامية في أوروبا والولايات المتحدة ببرامج دعم نفسي، ومستشارين متخصصين، وفرق قانونية تحمي الصحفي أثناء أداء عمله، وهو ما يقلل من حدة الضغوط المهنية والنفسية.
دراسة ميدانية على 347 صحفيًا
يعتمد كتاب «تروما الصحافة الاقتصادية» على دراسة بحثية موسعة استمرت لمدة عام ونصف، شارك فيها 347 صحفيًا، من بينهم 251 صحفيًا متخصصًا في الشأن الاقتصادي، واستندت إلى أكثر من 30 مرجعًا أجنبيًا في مجالات الإعلام، وعلم النفس، والصحة المهنية.
وتكشف نتائج الدراسة عن ارتفاع معدلات القلق المهني، واضطرابات النوم، والشعور بالإجهاد الذهني بين الصحفيين الاقتصاديين، مقارنة بزملائهم في تخصصات صحفية أخرى.
من تروما الحروب إلى تروما الاقتصاد
يشير الطوخي إلى أن الصورة النمطية لتروما الصحفيين كانت دائمًا مرتبطة بتغطية الحروب والنزاعات المسلحة، إلا أن الصحافة الاقتصادية باتت تنتج نوعًا مختلفًا من الصدمات، نابعًا من الاستمرارية والضغط الزمني، وليس من حدث صادم واحد.
فالصحفي هنا لا يغادر ساحة الحدث، بل يعيش داخله يوميًا، وسط أزمات ممتدة بلا فواصل نفسية.
رؤية مهنية لإعادة الاعتبار للصحة النفسية
لا يكتفي الكتاب برصد المشكلة، بل يطرح دعوة واضحة إلى إعادة التفكير في بيئة العمل الصحفي، ودمج مفهوم الصحة النفسية ضمن معايير الجودة المهنية، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في استدامة العمل الإعلامي.
ويرى المؤلف أن الاعتراف بتروما الصحافة الاقتصادية هو الخطوة الأولى نحو بناء مؤسسات إعلامية أكثر وعيًا، وقدرة على حماية كوادرها البشرية.
عن المؤلف
يعمل وائل الطوخي صحفيًا في مجلة المصور وجريدة أهل مصر، وهو مؤسس شبكة تيلي تايم لتكنولوجيا المعلومات، وسبق له العمل بعضوية المركز الصحفي لمعرض Cairo ICT، وترأس لجنة الإعلام بمنتدى الاستشاريين المصريين، ويشغل حاليًا رئاسة لجنة الإعلام الرقمي بالجمعية المصرية للصحفيين والأدباء والإعلاميين.
كما أشرف على أبحاث ماكنزي للذكاء الاصطناعي التوليدي في الشرق الأوسط عام 2023، وحصل على جائزة التميز الصحفي من وزارة التضامن الاجتماعي ونقابة الصحفيين عام 2022، وهو حاصل على بكالوريوس إعلام من جامعة القاهرة ودبلوم الإعلام المهني المتخصص.
لماذا هذا الكتاب مهم الآن؟
في عالم تتسارع فيه الأزمات الاقتصادية، يأتي كتاب «تروما الصحافة الاقتصادية» ليطرح سؤالًا جوهريًا:
من يعتني بالصحفي الذي ينقل قلق المجتمع يوميًا؟
سؤال يفتح بابًا لنقاش مهني وإنساني طال انتظاره داخل الوسط الإعلامي العربي.