حسين السمنودي
لم تكن نكسة يونيو 1967 مجرد هزيمة عسكرية عابرة، بل كانت صدمة حاول العدو من خلالها أن يفرض على الوعي المصري والعربي فكرة الجيش الذي لا يُقهر، والدولة التي لا تُهزم، والقوة التي لا يمكن الاقتراب منها. راهنوا على أن سقوط الأرض يعني سقوط الإنسان، وأن انكسار السلاح يعني انكسار الروح، لكنهم لم يعرفوا طبيعة هذا الشعب الذي قد يتألم، وقد ينزف، لكنه لا يستسلم ولا يفرّط ولا ينسى. كانت النكسة اختبارًا قاسيًا، لكنها في جوهرها كانت بداية وعي جديد، وبداية صراع طويل بين غرور القوة وإرادة البقاء.
صنع العدو حول نفسه أسطورة كبرى، أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”، مدعومة بالدعاية العالمية، وبأحدث الأسلحة، وبثقة متعالية في أن المنطقة كلها لن تجرؤ على كسر هذه الهيبة المصطنعة. ثم جاء خط بارليف، ذلك الحاجز الخرساني المدعوم بالساتر الترابي الهائل، ليكون تجسيدًا حيًا للغرور العسكري، حيث قيل يومها إن عبوره مستحيل، وإن هدمه يحتاج إلى قنبلة نووية، وإن الجندي المصري لن يستطيع أن يتجاوز ستة أمتار من الرمال والتحصينات والنيران المتشابكة. كانت إسرائيل واثقة أن ما بُني على الغرور سيظل قائمًا إلى الأبد.
لكن مصر لم تتعامل مع الهزيمة بالبكاء على الأطلال، بل تعاملت معها بالعقل والصبر والإرادة. بدأت رحلة شاقة لإعادة بناء الجيش، لا بالسلاح فقط، بل بالإنسان، بالعقيدة القتالية، بالانضباط، وبالإيمان العميق بأن الأرض لا تعود إلا لأصحابها. جاءت حرب الاستنزاف لتكسر الغرور تدريجيًا، وتستنزف العدو نفسيًا وعسكريًا، وتؤكد أن الأمن الذي يتغنون به وهمٌ قابل للانهيار. كان الجندي المصري يقاتل ويتعلم، وكان الشعب المصري يتحمل خلفه، يقف صامدًا رغم الألم والضيق، مؤمنًا أن المعركة لم تنتهِ.
ثم جاء السادس من أكتوبر 1973، اليوم الذي سقطت فيه الأساطير، وانهارت فيه كل حسابات الغرور. عبر الجندي المصري قناة السويس، لا كجندي فقط، بل كصاحب حق، كإنسان قرر أن يسترد كرامته. خراطيم المياه أسقطت الساتر الترابي الذي قيل إنه لا يُهدم، والعزيمة أسقطت خط بارليف الذي قيل إنه لا يُخترق، والإرادة المصرية أسقطت فكرة الجيش الذي لا يُقهر. في ساعات قليلة، تهدم ما بُني على الغرور خلال سنوات، وكتب التاريخ صفحة جديدة عنوانها أن الإنسان إذا امتلك الإرادة، هزم المستحيل.
ولم يكن هذا النصر نصر جيش فقط، بل نصر شعب بأكمله. الشعب المصري هو الدرع الحقيقي في كل معارك الوطن، هو الذي صبر على الهزيمة دون أن يفقد إيمانه، وهو الذي تحمل التقشف والجراح، وهو الذي قدّم أبناءه فداءً للأرض، وهو الذي وقف خلف جيشه صفًا واحدًا. هذا الشعب لا تقهره التحديات، لأنه اعتاد أن يحوّل المحن إلى قوة، والهزائم إلى دروس، والآلام إلى عزيمة. كل بيت كان جبهة، وكل أم كانت مدرسة للصبر، وكل عامل وفلاح كان شريكًا في معركة الكرامة.
ومنذ نصر أكتوبر وحتى اليوم، لم تتوقف التحديات. تغيرت طبيعة الحروب، وتبدلت الوجوه، لكن الهدف واحد: كسر مصر أو إنهاكها. واجهت الإرهاب الأسود الذي حاول أن يسرق الوطن من أهله، وواجهت المؤامرات، وحروب الشائعات، والضغوط الاقتصادية، ومحاولات التشكيك في الجيش والدولة. وفي كل مرة، كان المشهد واحدًا: جيش يقف في الميدان، وشعب يقف خلفه، درعًا يحمي البلاد، وسندًا يحمي العباد. سقط الإرهاب، وتكسرت المؤامرات، وبقيت مصر واقفة لأنها لم تعتمد يومًا على الغرور، بل على الإرادة.
وإلى شباب مصر اليوم، الذين قد يرون الضغوط ولا يرون حجم ما مرّت به بلادهم، يجب أن تصل الرسالة واضحة: لا تستهينوا بوطنكم مهما اشتدت الأزمات. هذه الدولة لم تُبنَ في يوم، ولم تُحمَ بالشعارات، بل صُنعت بدماء وتضحيات وصبر أجيال. مصر التي تبدو متعبة أحيانًا أقوى مما تتخيلون، وأصلب من كل محاولات الإحباط. الدول الضعيفة تسقط عند أول اختبار، أما مصر فقد واجهت الهزيمة، ثم واجهت الحرب، ثم واجهت الإرهاب، ثم واجهت حصار الأزمات، وما زالت واقفة.
لا تسمحوا لأحد أن يزرع في عقولكم فكرة أن مصر دولة هشة أو على وشك السقوط. هذه لغة أعداء الأمس واليوم. مصر قد تتألم لكنها لا تموت، قد تتعثر لكنها لا تنهار، لأن خلفها تاريخًا يعرف كيف ينهض، وجيشًا يعرف متى يحمي، وشعبًا إذا اشتدت عليه الأيام تحوّل إلى جدار لا يُخترق. قوة مصر ليست في سلاحها فقط، بل في وعي أبنائها، وفي تمسكهم بها، وفي قدرتهم على التمييز بين النقد الذي يبني والهدم الذي يخدم أعداء الوطن.
كونوا على قدر هذا التاريخ، واعلموا أن ما بُني على الغرور ينهار مهما بدا قويًا، أما ما بُني على الإرادة، وعلى شعب لا يعرف الاستسلام، فإنه يبقى. مصر انتصرت لأنها أرادت أن تنتصر، وستبقى لأنها تملك شعبًا لا يفرّط في وطنه، وجيشًا يعرف معنى الشرف، وأرضًا لا تقبل إلا أصحابها. هذه هي مصر… قوية بإرادتها، عصية على الانكسار، مهما تبدلت التحديات وتعاظمت الأخطار.