حسين السمنودي
حين تُذكر أم كلثوم لا نتحدث عن مطربة عاشت زمنها ثم غادرت، بل عن ذاكرة كاملة تشكّلت على مهل، ووعيٍ جمع أمةً كاملة حول صوتٍ واحد، وإحساسٍ مشترك. من هنا يصبح تشويه هذا الاسم فعلًا يتجاوز حدود الرأي الفني، ويدخل مباشرة في دائرة العبث بالوجدان العام، وكأن المطلوب اقتلاع شجرة ضاربة الجذور لأنها تُذكّرنا بأننا كنا يومًا قادرين على إنتاج العظمة.
الهجوم على أم كلثوم لا يأتي صريحًا في أغلب الأحيان، بل يتخفّى في ثوب السخرية، أو «الهزار»، أو المقارنات المريضة، أو إعادة تدوير صورتها في سياقاتٍ هزلية لا علاقة لها بمكانتها ولا بزمنها. هو هجوم ناعم، لكنه أخطر من المواجهة المباشرة، لأنه يستهدف الاحترام قبل الذوق، ويكسر الهيبة قبل القيمة. فحين تسقط الهيبة، يصبح كل شيء قابلًا للاستهانة، من الفن إلى التاريخ إلى الوطن نفسه.
من يشوه أم كلثوم لا يكرهها بقدر ما يكره ما تمثله: الصبر، والاجتهاد، والثقافة، والوعي، واحترام العقل. هؤلاء لا يحتملون فكرة أن أغنية قد تستغرق ساعة، وأن جمهورًا كاملًا كان ينصت في خشوع، وأن الفن كان يُعامل باعتباره رسالة لا منتجًا سريع الاستهلاك. إنهم أبناء زمن العجلة والضجيج، حيث كل شيء يُسمع ولا يُفهم، ويُشاهد ولا يُحترم.
الأكثر خطورة أن هذا التشويه يُقدَّم أحيانًا تحت لافتة «كسر القداسة» و«تحرير الذوق»، وكأن الاعتراف بالقيمة جريمة، وكأن التاريخ عبء يجب التخلص منه. والحقيقة أن أم كلثوم لم تُصنع من فراغ، ولم تُفرض على الناس بالقوة، بل فرضت نفسها لأنها كانت تعرف ماذا تقول، ولماذا تغني، ولمن تغني. كانت تعرف أن الصوت بلا معنى مجرد صدى، وأن الشهرة بلا رسالة فراغٌ صاخب.
تشويه أم كلثوم هو جزء من مشهد أكبر، مشهد تفكيك الرموز، وتسطيح الوعي، وتحويل الذاكرة إلى مادة للسخرية. فالأمم التي تُفقد رموزها تُفقد بوصلتها، وحين يُقنعون الأجيال الجديدة بأن الماضي كان وهمًا، يصبح الحاضر – مهما كان هشًا – هو المرجع الوحيد، بلا مقارنة، وبلا معايير، وبلا خجل.
وفي النهاية، ليست المعركة حول أم كلثوم معركة غناء أو اختلاف أذواق، بل صراع بين زمنٍ كان يعرف قيمة ما يملك، وزمنٍ يظن أن الهدم أسهل من البناء. تشويه أم كلثوم هو تعبير عن عجزٍ لا عن شجاعة، وعن فراغٍ لا عن وعي. فالعاجزون عن صناعة القمم لا يجدون أمامهم إلا محاولة كسرها، والذين لم يعرفوا معنى الجهد لا يحتملون رؤية نتائجه.
ستبقى أم كلثوم أكبر من كل محاولات التشويه، لأن ما بُني على الصدق لا تهدمه النكات، وما خرج من وجدان الناس لا تقتله المقاطع المجتزأة ولا ترندات السخرية. التاريخ لا يُدار بمنطق المشاهدات، والعظمة لا تُقاس بسرعة الإيقاع، بل بقدرتها على البقاء حيّة في الذاكرة. ومن يطلق الرصاص على رموز الأمة، عليه أن يدرك أن الرصاص لا يقتل الذاكرة، بل يفضح من أطلقه.