recent
أخبار ساخنة

معتقل صيدنايا... قبر الأحياء ومحاكم الموت السورية / شيفاتايمز

 







معتقل صيدنايا... قبر الأحياء 

ومحاكم الموت السورية


حسين السمنودي 



في مكان بعيد عن العدالة والإنسانية، يقبع معتقل صيدنايا، ذلك الاسم الذي يتردد كصرخة ألم في صدور من سمعوا عنه أو عاشوا كوابيسه. صيدنايا ليس مجرد سجن؛ بل هو تجسيد حي للظلم والوحشية، حيث تختفي الأرواح في ظلام لا نهاية له، وتموت الأحلام خلف الجدران الصامتة.


منذ سنوات طويلة، أصبح معتقل صيدنايا عنواناً للرعب في سوريا. هناك، تُمحى الإنسانية، وتُسحق الكرامة تحت وطأة التعذيب والجوع والخوف. آلاف من الرجال والنساء والشباب، بل وحتى الأطفال، عبروا بواباته الملعونة دون أن يعرفوا إن كانوا سيخرجون منها يوماً. الكثير منهم لم يُكتب لهم أن يروا النور مجدداً، وأصبحوا أرقاماً في سجل طويل من الموت الممنهج.


داخل تلك الزنازين القاتمة، يتحول الزمن إلى عدوٍ لا يُحتمل. أيام طويلة من العذاب النفسي والجسدي تلتهم أرواح المعتقلين، حيث الجوع والحبس الانفرادي والأمراض التي لا تلقى علاجاً، كلها تُستخدم كوسائل لكسر الإنسان. الشهادات التي خرجت من الناجين قليلة، لكنها تحمل من البشاعة ما يكفي لرسم صورة جحيم لا يوصف.


التعذيب هنا ليس وسيلة للإجبار على الاعتراف فقط، بل هو هدف بحد ذاته. يُعلق المعتقلون بالسلاسل، وتُنهال عليهم الضربات، وتُطفأ السجائر على أجسادهم، وتُمارس بحقهم أساليب تُظهر مدى انحطاط الإنسان عندما يفقد كل قيم الرحمة. الإعدامات الجماعية تُنفذ بدم بارد، حيث يُقاد السجناء إلى مصيرهم تحت ستار الليل، دون محاكمات حقيقية، ودون فرصة للدفاع أو حتى وداع الأحبة.


صيدنايا ليس مجرد سجن؛ بل هو نظام كامل من القمع والكراهية. هو رمز لصراع غير عادل، يدفع ثمنه الأبرياء ممن تم اقتيادهم إليه دون تهمة حقيقية سوى أنهم اختلفوا بالرأي أو رفعوا صوتهم في وجه الظلم. وبينما يغرق العالم في مشاغله، يُترك المعتقلون ليواجهوا هذا المصير المظلم وحدهم.


ما يحدث في صيدنايا ليس مجرد انتهاك لحقوق الإنسان؛ إنه جريمة ضد الإنسانية بأكملها. الموت هنا لا يفرق بين صغير وكبير، ولا بين معارض أو مجرد مشتبه به. إنه موت صامت، موت لا يجد من يشهد عليه، إلا جدران تتشرب صرخات الألم التي لا تنتهي.


وفي حين يظل المجتمع الدولي متردداً في اتخاذ موقف حاسم، تستمر هذه الكارثة في التفاقم. صيدنايا ليس مجرد مأساة سورية، بل هو وصمة عار على جبين العالم بأسره. إنه تذكير مرير بضرورة النضال من أجل العدالة، وبأن الصمت على الظلم جريمة لا تقل بشاعة عن الظلم نفسه.


عندما تتحدث عن صيدنايا، لا يمكنك أن تجد الكلمات الكافية لوصف حجم الألم الذي يكابده المعتقلون. إنه مكان تُدفن فيه الأرواح قبل أن تُفارق الحياة، ومأساة يجب ألا تُنسى، لأن تذكرها هو الخطوة الأولى نحو إنهاء هذا الظلام.

google-playkhamsatmostaqltradent