من يدفع فاتورة إعمار لبنان؟
حسين السمنودي
لبنان، ذلك البلد الصغير في الجغرافيا، الكبير في التاريخ والثقافة، يعاني منذ عقود من سلسلة أزمات طاحنة أدت إلى دمار شامل في بنيته التحتية وأثرت بعمق على نسيجه الاجتماعي والاقتصادي. الحروب والصراعات، سواء الداخلية أو الخارجية، تركت آثاراً عميقة على أرضه وشعبه، وأصبحت قضية إعمار لبنان موضوعاً دائماً للنقاش. لكن السؤال الأهم الذي يطرحه اللبنانيون وغيرهم هو: من سيدفع فاتورة إعمار لبنان؟
الأحداث الأخيرة التي انتهت بوقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل بعد أسابيع من التصعيد العسكري، كانت الأكثر دموية منذ حرب 2006. اشتدت المواجهات مع سقوط الصواريخ على المدن الجنوبية، واستهداف البنى التحتية الحيوية، مما أدى إلى تشريد الآلاف من الأسر اللبنانية التي اضطرت للنزوح عن ديارها. القرى الحدودية، التي كانت شاهدة على القصف المتبادل، أصبحت شبه مهجورة، حيث نزح سكانها إلى مناطق أكثر أماناً في الداخل اللبناني أو حتى إلى دول مجاورة.
على الرغم من وقف إطلاق النار الذي أُعلن بالأمس، لا يزال المشهد قاتماً. النازحون بدأوا في العودة بحذر إلى قراهم، ليجدوا منازلهم مدمرة ومزارعهم ملوثة ببقايا الصواريخ. المستشفيات، التي عانت من نقص حاد في الإمدادات الطبية خلال الأزمة، بدأت تستقبل الحالات الحرجة وسط مطالبات ملحة للمجتمع الدولي بتقديم الدعم العاجل.
الدعم الدولي لإعادة إعمار لبنان ليس جديداً، لكنه دائماً كان مشروطاً بتنازلات سياسية وإصلاحات اقتصادية. في ظل هذا الواقع، يتساءل اللبنانيون: هل سيتكرر السيناريو نفسه كما بعد حرب 2006؟ حينها، تعهدت الدول المانحة بتقديم المساعدات، لكن معظم الأموال لم تصل إلى مستحقيها بسبب الفساد وسوء الإدارة.
الأعباء الثقيلة ما زالت تُلقى على كاهل المواطن اللبناني، الذي يدفع دائماً ثمن الحروب والسياسات الخاطئة. ارتفاع الضرائب، انهيار العملة، وانعدام الخدمات الأساسية تجعل من عملية إعادة الإعمار تحدياً مزدوجاً، يحتاج إلى تعاون داخلي ودعم خارجي غير مشروط.
مع اكتشاف حقول الغاز والنفط في المياه اللبنانية، تبدو هناك نافذة أمل لتوفير موارد مستدامة تدعم عملية الإعمار. ولكن هذه الموارد وحدها لن تكون كافية ما لم تتوفر إدارة شفافة تضمن استخدامها بشكل عادل وفعّال.
لبنان بحاجة ماسة إلى إرادة سياسية حقيقية تعيد بناء الثقة بين الدولة والشعب، وتضع خططاً طويلة الأمد لتحقيق الاستقرار والتنمية. بينما يعود النازحون إلى ديارهم، يبقى المستقبل غامضاً، ويبقى السؤال قائماً: من سيدفع فاتورة الإعمار، وكيف يمكن للبنان أن يتجاوز محنه ليبني مستقبلاً أفضل؟