recent
أخبار ساخنة

ومضات العمر.. بين غفوة وصحوة /شيفاتايمز

شيفاتايمز SHEFATAIMS

 






ومضات العمر.. بين غفوة وصحوة 


حسين السمنودي 


يمضي العمر كأنه حلم خاطف، ما إن تضع رأسك على الوسادة لتستريح من عناء يوم مضى حتى تفاجأ بإشراقة فجر جديد، وما إن تبدأ في مهام يومك حتى تجد أن الليل قد أسدل ستاره من جديد. هذا التسارع المخيف للأيام يجعلنا نتساءل: أين ذهب الوقت؟ ولماذا نشعر أن البركة قد غابت عن حياتنا؟


يخبرنا الله سبحانه وتعالى عن سرعة انقضاء الزمن في قوله: "يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ" (النور: 44). فالليل والنهار يتعاقبان بسرعة مذهلة، ولا يدرك حقيقة ذلك إلا من كان له قلب متيقظ وعين تبصر الحكمة وراء هذا التسارع.


كما جاء في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة" (رواه الترمذي). هذه الكلمات النبوية تكشف لنا عن واقع نعيشه اليوم، حيث تمر الأيام وكأنها لحظات، ونشعر أن البركة قد نزعت من أعمارنا وأعمالنا.


غياب البركة وأسبابه


حين نتأمل حياتنا، نجد أن البركة التي كانت تملأ أوقات من سبقونا قد قلّت بشكل ملحوظ. السبب الأساسي لهذا هو البُعد عن الله والانشغال بالدنيا دون اعتبار للآخرة. قال الله تعالى: "وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكرِي فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنكًا وَنَحشُرُهُ يَومَ القِيامةِ أَعمىٰ" (طه: 124). فالذكر والتقرب من الله هما مفتاح البركة في الوقت والعمل، ومن أعرض عنهما عانى من الضيق في الدنيا، حتى وإن بدا له أنه يمتلك الكثير.


كذلك، فإن انشغالنا بمشاغل الحياة التافهة واستغراقنا في الملذات دون تنظيم أو تخطيط يجعلنا نشعر بأن الوقت يطير دون فائدة تُذكر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" (رواه البخاري). الفراغ نعمة عظيمة، لكننا نسيء استغلالها في اللهو أو الكسل، بدلًا من أن نملأها بالصالحات.


كيف نستعيد البركة في أوقاتنا؟


البركة لا تُستعاد إلا بالعودة إلى الله سبحانه وتعالى والالتزام بما أمرنا به. قراءة القرآن والعمل به من أعظم الوسائل لاستعادة بركة الوقت. قال الله تعالى: "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ" (ص: 29).


كما أن الالتزام بالصلاة على وقتها سبب رئيسي للبركة. جاء في الحديث: "من صلى البردين دخل الجنة" (رواه البخاري)، والبردان هما صلاة الفجر والعصر. المواظبة عليهما تُدخل الطمأنينة والسكينة إلى القلب، مما ينعكس على كل جوانب الحياة.


الموت بين لحظة وأخرى


حين نتأمل تسارع الزمن، لا يسعنا إلا أن نتذكر أن الموت قد يأتي بغتة، دون مقدمات أو إشارات تنبهنا. قال الله تعالى: "وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ" (ق: 19). الموت ليس له موعد محدد، وقد يأتي ونحن في أوج انشغالنا بالدنيا، تاركين وراءنا ما كنا نعتقد أنه الأهم.


يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أكثروا ذكر هادم اللذات: الموت" (رواه الترمذي). ذكر الموت يجعلنا نتوقف للحظة ونعيد التفكير في أعمالنا: هل نحن مستعدون للقاء الله؟ هل سنغادر الدنيا وقد تركنا خلفنا أعمالًا تُثقل موازيننا بالحسنات؟


جنازة الغد، صاحبها يتنفس الآن. قد يكون بيننا من يضحك ويعيش يومه كأن العمر طويل، دون أن يعلم أن لحظاته الأخيرة تقترب. قال الله تعالى: "فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ" (الأعراف: 34).


وختاما لذلك فإن الحياة قصيرة مهما طالت، وسعادتها الحقيقية ليست في كثرة المال أو طول العمر، بل في البركة التي تجعل القليل كثيرًا والعمر القصير مليئًا بالإنجاز. قال الله تعالى: "فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ، وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ" (الشرح: 7-8).


نسأل الله أن يبارك لنا في أوقاتنا وأعمالنا، وأن يجعل آخر أيامنا خيرها، وأن يختم لنا بصالح الأعمال. فالسعيد حقًا من ملأ صحيفته بالخير، وكان مستعدًا ليوم اللقاء.

google-playkhamsatmostaqltradent