فجور التجار في غزة: الموت برصاص الجوع والاحتلال
حسين السمنودي
غزة، الجرح النازف، أصبحت رمزًا لمعاناة مستمرة لا تعرف النهاية. على مر السنين، تحولت هذه الأرض الصغيرة إلى سجن كبير يختنق فيه سكانها بين الحصار والقصف والجوع. لا تكتفي آلة الحرب الصهيونية بإطلاق صواريخها لتدمير البيوت وقتل الأبرياء، بل تعتمد على تكتيكات أكثر وحشية تسلب السكان أبسط مقومات الحياة. ومع هذا الظلم الممتد، يظهر تجار الفساد ليزيدوا من أوجاع الناس، وكأن المعاناة لا تكفي.
الاحتلال الصهيوني يمارس حربًا متكاملة الأركان، لا تقتصر على قتل الجسد، بل تمتد لتمزيق الروح وإرهاق النفس. الحصار المفروض على غزة يحكم قبضته على كل شيء: الغذاء، الدواء، الطاقة، وحتى الهواء بات مشروطًا بمزاج الاحتلال. أطفال غزة ينامون على أصوات الانفجارات، ويستيقظون على طوابير انتظار الخبز الذي بات حلمًا بعيد المنال. الأمطار التي تحمل الخير في معظم الأماكن، تتحول في غزة إلى كارثة معيشية، إذ تعيش مئات الأسر في خيام مهترئة بعد أن دمرت بيوتها، لا تقيهم البرد ولا تمنع عنهم المطر.
لكن المأساة الكبرى ليست في الاحتلال وحده، بل في الخيانة الداخلية. التجار الفاسدون الذين يرون في جوع الناس فرصة ذهبية لتحقيق أرباح خيالية، يتاجرون في كل شيء: الطحين، الماء، الكهرباء، وحتى الأدوية. في غزة، لا شيء يُباع بالسعر الحقيقي. الأسعار تتضاعف بلا مبرر، ولا تفسير سوى جشع المتحكمين في السوق. هؤلاء لا يهتمون بمعاناة الناس، بل يرون في الحصار فرصة ذهبية لجمع المال، غير عابئين بصرخات الأطفال أو دموع الأمهات.
الجوع في غزة أصبح سلاحًا لا يقل فتكًا عن القنابل. الاحتياجات الأساسية مثل الطحين والزيت باتت صعبة المنال، والطوابير الطويلة للحصول على رغيف خبز أصبحت مشهدًا يوميًا. في ظل هذه الظروف، يجد البعض نفسه مضطرًا لدفع أضعاف سعر السلعة ليحصل عليها من السوق السوداء، بينما الأغلبية تقف عاجزة أمام هذا الواقع القاسي. حتى المساعدات الإنسانية التي تصل بين الحين والآخر، تُستغل بشكل خبيث لتتحول إلى مصدر آخر للربح، إذ تُباع بدل أن تُوزع على المستحقين.
الصحة في غزة أصبحت رفاهية بعيدة المنال. المستشفيات تعاني من نقص حاد في الأدوية والمعدات الطبية، بينما ترتفع أسعار الأدوية المتوفرة بشكل جنوني. المرضى يموتون ببطء، ليس فقط بسبب المرض، ولكن بسبب غياب العلاج وانعدام الرحمة. الكهرباء، التي تعد أساس الحياة الحديثة، أصبحت حلمًا يراود سكان غزة، إذ يعيشون معظم يومهم في ظلام دامس، لا يستطيعون تشغيل أجهزة التدفئة في الشتاء أو التبريد في الصيف. وفي كل هذا، تبرز فجور التجار الذين يستغلون هذه المعاناة لرفع أسعار الوقود والبطاريات البديلة بشكل مبالغ فيه.
المحتل الصهيوني يدرك تمامًا أن الجوع والخوف أسلحة فعالة لتدمير المجتمعات، فيستمر في حصاره، ويستغل الفاسدين من التجار لتنفيذ خططه الخبيثة. لا يطلق الاحتلال الصواريخ فقط، بل يُطلق الفقر، والمرض، واليأس. الاحتلال يريد أن يحول غزة إلى نموذج للانهيار الكامل، حيث ينهش الجوع من جسد الأطفال، ويقتل المرض الكبار، وتتآكل الروح المعنوية للسكان شيئًا فشيئًا.
وفي ظل هذا الواقع المأساوي، تبقى غزة شاهدة على جبروت الاحتلال وخيانة التجار الفاسدين. ولكن الأمل، مهما ضعف، يظل ينبض في قلوب سكانها الذين صمدوا أمام كل هذه الكوارث، منتظرين لحظة الخلاص من ظلم الداخل والخارج معًا.