ابتسامة من تحت الأنقاض: حكاية الضحايا في غزة ولبنان وسط ركام الألم
حسين السمنودي
في زمن تحوّل فيه الوطن إلى ساحة للركام، وحيث يصير الموت خبراً متكرراً، تنبثق من تحت الأنقاض ابتسامات تواجه القصف والتدمير بإصرار يتحدى الألم والخوف. غزة، التي اعتادت حكايات الموت، تحولت بيوتها إلى قبور مفتوحة، وجدرانها إلى لوحات تنطق بمأساة لا نهاية لها. وكذلك لبنان، حيث تتهاوى الأبنية فوق ساكنيها، ويصير الأمل مرسوماً في عيون أطفال صغار يعيشون بين خوف وألم. في هذا المشهد القاتم، يبرز الضحايا بابتسامة مفعمة بالتحدي، تلك الابتسامة التي تنبع من قوة كامنة تعلن أنهم أحياء، وأنهم أقوى من عدوهم، ولو كان الجرح عميقاً.
غزة، المدينة التي تئن تحت وطأة القصف اليومي، لم يعد فيها مكان يسلم من آلة الحرب، فقد أصبحت الأحياء السكنية مكشوفة للعالم، يراها كل من يشاهد نشرة الأخبار أو يصغي إلى قصص اللاجئين. أطفالها، هؤلاء الذين لم يعرفوا يوماً حياة خالية من أصوات المدافع، تعلموا أن يواجهوا القسوة بإرادة تعلو على كل ألم. كيف يمكن لطفل بالكاد يدرك ما حوله أن يقف بشجاعة أمام الدمار؟ كيف يضحك طفل فقد منزله وملعبه وكتبه، ليواجه العدو بتلك الضحكة الساخرة، التي تحمل كل معاني الاستنكار والإصرار؟ إنها ليست ضحكة بريئة بقدر ما هي ضحكة ساخرة، ضحكة على من ظنوا أن بإمكانهم إخماد شمس الحرية ووأد الحلم الفلسطيني إلى الأبد.
وفي لبنان، حيث حطت الطائرات حمولتها الثقيلة فوق مدينة بعلبك، تُبرز لنا الصورة وجه طفلة ملطخة بتراب الأنقاض، وجرحها ينزف، لكنها تبتسم. تلك الطفلة الملقاة بين الركام، والتي ترنو بنظراتها نحو السماء المحترقة، تعرف أن الألم لا يقاس بعدد الجروح، بل بقدر الأمل الذي يبقى. لقد خسرت الكثير في لحظة، ربما فقدت عائلتها أو منزلها، لكنها ظلت تبتسم، وكأنها تسخر من قوة العدو التي تحاول النيل منها. ما هذا الأمل الذي يكمن في عيونهم؟ ما هذا الإصرار على الحياة رغم الدمار الشامل؟
إن الحكاية لا تتوقف عند الأطفال فقط، بل تمتد لتشمل أمهات وآباء فقدوا كل شيء، لكنهم استمروا في حمل رسالتهم رغم كل الخسائر. هؤلاء الذين لم ينكسروا رغم الهزائم المتكررة، يقفون كل يوم أمام الموت بأعين تشع بتلك القوة الكامنة في الأرض التي رفضت أن تسقط. نساء غزة ولبنان، هؤلاء اللواتي ارتوين من الحزن وتحولن إلى رموز للصمود، يحملن على أكتافهن دماء الأبناء ويبتسمن في وجه الصواريخ وكأنهن يقلن: "سنظل هنا، ولن نرحل."
أما الشيوخ، من أرهقتهم السنون، يجلسون على أطلال الماضي ويحكون للأجيال عن حكايات الصمود، يبتسمون أيضاً رغم أن الحياة سلبت منهم كل غالٍ. هؤلاء الكبار، الذين يعرفون أن المعركة أكبر من مجرد حرب، يدركون أن التحدي أعمق بكثير من مجرد أن تنتصر في معركة أو تخسر أخرى. فالأرض التي نبتت فيها جذورهم، والأرض التي رووها بعرقهم، هي جزء منهم، وهي سر تلك الابتسامة التي لا تذبل، حتى وإن انهارت كل شيء.
بين الركام، تظل مشاهد الدمار وصور الضحايا تختلط بأصوات الأطفال وهم يضحكون، وبأصوات الأمهات وهنّ يغنين لأطفالهن قصائد الأمل. إنهم لا يسخرون فقط من عدوهم، بل من كل من حاول إطفاء نورهم، من كل من ظن أن الحرب ستحولهم إلى أرقام. هم يبتسمون لأنهم يعرفون أن أرواحهم أقوى من كل الأسلحة، وأن ضحكاتهم التي تخرج من قلب الجراح هي رسالة تقول: "نحن هنا، وسنظل هنا، رغم كل شيء."
هذه الابتسامة لا تعني فقط التحدي، بل هي تجسيد لمعنى الصمود والحياة. إنها حكاية كل ضحية لا يزال يقف على قدمه، رافضاً أن يكون مجرد ذكرى في ذاكرة التاريخ.