ما وراء الكلام؟
كتبه / عبدالرحمن الليث
ترردت قبل نشر هذا المقال لعلة مستوفية عندي، أن كثيراً من القراء لا يفهمون ضوابط اللغة التي تمر على أسماعهم، فقد يقرؤون الكتب والكتب، ولكن لا يؤخذون منها ما يقيمونه لأنفسهم من فوائد ودرر، بل يقرؤون لتسلية فراغهم فحسب، فتكون البهمية _أعزكم الله_ أعقل منهم فتأكل لهدف العيش، وهم يقرؤون لا لشيء سوى تسلية لفراغهم؛ فأحببت أن أوضح نمطا في اللغة يجهله الكثير من الكتاب المعاصرين، فضلا عن القراء الذين يتلقون الكلام بلا مراجعة ولا تمحيص!
ومعلوم أن اللغة بحر خضم لا ساحل له، يميل فيه القارئ والكاتب يمنة ويسرة، فقد يوضع الوصف ليراد به القبيح فيعبر عنه بالوصف الجميل، وقد يوضع الوصف ليراد به الجميل فيعبر عنه بالوصف القبيح، وأن التعميم لا يلزم منه تعميم الخاص، وأن التخصيص لا يلزم منه تخصيص العام، وأن المطلق لا يقيده المقيد، وأن المقيد لا يطلقه المطلق، والعبارة تؤخذ بما تحمله في ذاتها، لا بما يحمله القارئ عنها في ذاته، والفكرة فيها راجعة لبطن كاتبها، لا كرش قارئها!
فلو أردنا وصف أحدهم بالكذب، فاللغة تقع في يديك من جهتين بين فعل الفاعل، وفاعل الفعل؛ فلو أردنا وصف فعل الفاعل فنقول: فلان كذب، أو فلان يكذب!
فيكون هذا التوصيف فى مقام وصف الفعل، لا في مقام وصف الفاعل، ولا يعني بحال وصف الفعل أن يكون وصفا ملازما لفاعله!
والوصف هنا تابع لبيان صفة من الكلام قد خرجت ولاكها اللسان بالكذب، فيكون الوصف لذات الكلام لا لصاحبه؛ ولا يكون هذا الوصف قادحا فيه!
ولو أردنا وصف فاعل الفعل فنقول: فلان كاذب، أو فلان كذاب!
فهنا نصف ذاته وشخصه فيكون وصف الفاعل لازما لوصف فعله، أو مكملا له؛ فيكون الوصف محكما ويلصق بصاحبه بالمجمل الذي يقدح فيه؛ لذلك العقلاء يفرقون بين الفعل وفاعله من جهة التقرير والتقعيد!
ومن هذا قول النبي ﷺ في أحد أصحابه: "كذب أبو السنابل"
فلو قال قائل: كلامك عجيب! فبقولك: إذا قتل الرجل أحدا لا يقال عنه قاتل، وإذا سرق لا يقال سارق، وإذا زنى لا يقال زانٍ؛ كيف ينفك الفعل عن فاعله؟!
قلت:
هذا فهم أهوج، فالقاتل والزاني والسارق في المواثيق الشرعية، والقوانين الوضعية؛ لا يحكم بتوصيفهم بالقتل، والزنا، والسرقة، إلا بتوفر الشروط التي تثبت ذلك، أو بإنتفاء الموانع التي تنسخ ذلك، وترى ذلك في المحاكم فالقاضي لا يقول: فلان قاتل، أو فلان زانٍ، أو فلان سارق، بل يقول: المتهم بكذا!
لذلك وضعت القاعدة المشهورة: إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته!
وفي ذلك تصويري لفهمك بــ"الأهوج" لا يعني بحال وصفك بذاتك أنك "أهوج" فهو توصيف لفهمك لا غير، كما تجلس مع قرنائك فتقول في مسألة ما قد عبر عنها صاحبك بما لم يرق لك: "إيه الغباء دا"
ومعلوم لك أنك لا تصف صاحبك، بل تصف كلامه، لذا يجب أن يعلم أن اللغة تفرق بين الوصف المطلق، ومطلق الوصف!
ما وراء الكلام
كتبه| عبدالرحمن الليث

