recent
أخبار ساخنة

لا تيأسوا... فالصبر ليس انتظارًا، بل عبادةبقلم: المستشار أشرف عبدالعال

لا تيأسوا... فالصبر ليس انتظارًا، بل عبادة

بقلم: المستشار أشرف عبدالعال

هناك لحظات في حياة الإنسان يضيق فيها الأفق، حتى يظن أن كل الأبواب قد أُغلقت، وأن الطريق قد انتهى، وأن أحلامه أصبحت مجرد ذكريات بعيدة. وفي تلك اللحظات تحديدًا، يبدأ اليأس في التسلل إلى القلب، لا لأن رحمة الله قد ابتعدت، ولكن لأن الإنسان ينظر بعينيه إلى الحاضر، بينما يغيب عنه ما يدبره الله في الغيب.

فاليأس لا يولد من قلة الحيلة فقط، بل يولد عندما ينسى الإنسان أن لله حكمةً تتجاوز حدود عقله، وأن تدبير الله لا يُقاس بما نراه اليوم، وإنما بما يعلمه سبحانه عن الغد، وعن المستقبل، وعن الخير الذي قد لا ندركه إلا بعد سنوات.

كم من أمنيةٍ تأخرت، فظن صاحبها أن الله حرمه منها، ثم اكتشف بعد حين أن تأخيرها كان عين الرحمة، وأن استعجالها كان سيقوده إلى ما لا تُحمد عقباه.

وكم من بابٍ أُغلق في وجه إنسان، حتى ظن أن الدنيا قد ضاقت بما رحبت، فإذا بالله يفتح له بابًا آخر لم يكن يخطر له على بال، في الوقت الذي اختاره سبحانه، لا في الوقت الذي اختاره العبد.

إن الله لا يغلق بابًا إلا لحكمة، ولا يمنع عطاءً إلا لخير، ولا يؤخر أمنيةً إلا لأنه يعلم أن الوقت الذي اختاره لها هو الأنسب، وأن ما يدخره لعبده أعظم مما يتعجل إليه قلبه.

قال الله تعالى:

﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

إن هذه الآية ليست دعوةً للاستسلام، بل دعوةٌ إلى الثقة. فهي تعلمنا أن نبذل الأسباب بكل ما نملك، ثم نُسلِّم النتائج لمن يعلم السر وأخفى، وأن نوقن بأن اختيار الله أكمل من اختيارنا، وأن علمه سبحانه أوسع من كل ما نتصوره.

ولذلك، كان الصبر في الإسلام عبادةً عظيمة، وليس مجرد انتظار للأيام حتى تمر. فالصبر هو أن تؤدي واجبك رغم التعب، وأن تتمسك بمبادئك رغم الفتن، وأن تواصل السير رغم قسوة الطريق، وأن يبقى قلبك عامرًا باليقين مهما اشتدت العواصف.

وقد قال الله سبحانه:

﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

تأمل هذه الآية جيدًا...

فالله سبحانه وعد المؤمنين بالجنة، ووعد المنفقين بالخلف، ووعد المحسنين بالأجر، لكنه حين تحدث عن الصابرين لم يحدد مقدار الجزاء، بل قال: «بغير حساب»، وكأن الكريم سبحانه يخبرنا أن عطاءه للصابرين لا تحده الأرقام، ولا تحيط به المقاييس.

وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

"وجدنا خير عيشنا بالصبر."

ولم يقل بالصبر لأنه يزيل الألم، وإنما لأنه يمنح القلب قوةً على تحمله، ويجعل صاحبه يرى النور وهو لا يزال يسير في آخر النفق.

أما الرضا...

فهو منزلة أعلى من الصبر.

فقد يصبر الإنسان وهو يتمنى زوال البلاء، أما الرضا فهو أن يسكن القلب إلى قضاء الله، وأن يوقن أن ما اختاره الله له خيرٌ مما كان سيختاره لنفسه، حتى وإن لم يفهم الحكمة الآن.

الرضا لا يعني ألا تحزن، ولا يعني ألا تبكي، فالدموع لا تنافي الإيمان، وقد بكى الأنبياء عليهم السلام، وحزنوا، وتألموا.

ولكن الرضا يعني ألا يتحول الحزن إلى اعتراض، وألا يتحول الألم إلى قنوط، وألا يفقد القلب ثقته بربه مهما اشتد البلاء.

قال رسول الله ﷺ:

«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له.»
رواه مسلم.

إن المؤمن الحقيقي يعلم أن الله لا ينسى دمعةً سالت في جوف الليل، ولا دعوةً خرجت من قلبٍ منكسر، ولا صبرًا تحمله عبدٌ ابتغاء وجهه الكريم.

كل ذلك محفوظ عند الله...

وسيأتي اليوم الذي يرى فيه الإنسان أثر كل سجدة، وكل دعاء، وكل دمعة، وكل لحظة صبر، فيحمد الله لأنه لم يعطه ما أراد في الوقت الذي أراد، بل أعطاه ما هو خير، وفي الوقت الذي اختاره بحكمته.

فلا تيأسوا إذا تأخرت الأمنيات...

ولا تحزنوا إذا كثرت الابتلاءات...

ولا تظنوا أن طول الطريق يعني أن النهاية بعيدة.

فلعل الله يؤخر الفرج ليهيئ لكم فرحةً أكبر، ويؤخر العطاء ليمنحكم ما لم تكونوا تحلمون به، ويؤخر الإجابة لأنه يريد أن يعطيكم أكثر مما سألتم.

واعلموا أن الله إذا أحب عبدًا، لم يتركه وحده في بلائه، بل يربِّيه بالابتلاء، ويطهِّره بالصبر، ويقرِّبه بالدعاء، ثم يجبر خاطره جبرًا يليق بكرمه، حتى ينظر إلى سنوات الألم ويقول من أعماق قلبه:

"الحمد لله... الآن فقط عرفت لماذا اختار الله لي هذا الطريق."

خليك فاكر...

لا تيأس أبدًا...

فما دام باب الله مفتوحًا، فلا وجود لطريقٍ مسدود.

وما دام قلبك معلقًا برب العالمين، فلن يخذلك الله أبدًا.

فالصبر ليس انتظارًا بلا معنى...

بل عبادة، وثقة، ويقين، وسكينة، وعبورٌ هادئ فوق أمواج الحياة، حتى تبلغ برحمة الله شاطئ الأمان.

﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.

فاجعل يقينك بالله أكبر من خوفك، وأملك في رحمته أعظم من ألمك، وثق أن جبر الله إذا جاء... أنساك كل ما مضى، وأراك من كرمه ما يجعل قلبك يقول: الحمد لله على كل ما كان.
google-playkhamsatmostaqltradent