recent
أخبار ساخنة

الفقير والجاهل والمتخلف /شيفاتايمز

شيفاتايمز SHEFATAIMS

حسين السمنودي


ليست الكلمات دائمًا بريئة، فبعضها يُلقى كحكم قاسٍ، لا كوصفٍ عادل. حين نقول فقير، أو جاهل، أو متخلف، فإننا كثيرًا ما نخلط بين الحال والجوهر، وبين المرض وأعراضه، وبين الإنسان والواقع الذي فُرض عليه. الفقر ليس عيبًا، والجهل ليس قدرًا، والتخلف ليس طبيعة، لكنها جميعًا نتائج لمسارات طويلة من الإهمال والظلم وسوء الإدارة وغياب العدالة.

الفقير ليس إنسانًا أقل قيمة، بل هو غالبًا ضحية منظومة اقتصادية مختلة، تُراكم الثروة في يد قلة، وتترك الأكثرية تكافح من أجل البقاء. الفقير قد يكون عاملًا شريفًا، أو فلاحًا أنهكه الغلاء، أو موظفًا لا يكفي راتبه نصف الشهر. فقره لا يعني ضعف عقله ولا ضآلة حلمه، بل يعني أن الفرص سُرقت منه قبل أن تُمنح، وأن الطريق أُغلق في وجهه قبل أن يبدأ السير.

أما الجاهل، فليس هو من لم يتعلم فقط، بل من حُرم من التعليم الجيد، أو دُفع إلى تركه مبكرًا، أو تلقى تعليمًا شكليًا بلا وعي ولا تفكير. الجهل صناعة، تُنتجها أنظمة لا تريد للعقل أن يسأل، ولا للإنسان أن يفهم. الجاهل الحقيقي ليس من لا يعرف القراءة والكتابة، بل من يُلقَّن دون فهم، ويُقاد دون وعي، ويُحرَّك بالخوف أو الشائعة أو التعصب.

وأما التخلف، فليس لباسًا يرتديه الناس، ولا لهجة يتحدثون بها، ولا عادات شعبية بريئة، بل هو حالة عامة تنشأ حين يتجمد الفكر، ويتوقف التطور، وتُعاد الأخطاء نفسها جيلًا بعد جيل. التخلف هو أن نعيش بعقلية الماضي في عالم يتغير كل يوم، وأن نرفض النقد والمراجعة، وأن نُقدس الخطأ لأنه موروث، ونحارب الصواب لأنه جديد.

المأساة الحقيقية حين نُحمِّل الفقير ذنب فقره، والجاهل مسؤولية جهله، والمتخلف خطيئة تخلفه، ونعفي أنفسنا ومؤسساتنا وسياساتنا من المسؤولية. حينها نكون قد قتلنا العدالة مرتين: مرة حين صنعنا الأزمة، ومرة حين اتهمنا ضحاياها. المجتمعات لا تتقدم بإهانة الضعفاء، بل بإنصافهم، ولا تُبنى بالسخرية من المتأخرين، بل بمدّ اليد لهم.

إن أخطر ما في الفقر أنه يسرق الكرامة، وأخطر ما في الجهل أنه يقتل الوعي، وأخطر ما في التخلف أنه يبرر نفسه بنفسه. وحين تجتمع الثلاثة، يصبح الإنسان محاصرًا من كل اتجاه، عاجزًا عن الحلم، خائفًا من التغيير، مستسلمًا لواقع لم يختره. عندها لا يكون الخطر على الفرد فقط، بل على المجتمع كله، لأن أمة بلا عدالة اجتماعية، ولا تعليم حقيقي، ولا مشروع نهضوي، هي أمة مهددة بالانهيار مهما امتلكت من شعارات.
ولا يمكن الحديث عن الفقر والجهل والتخلف وكأنها صفات خُلقت مع الإنسان، أو لعنات أبدية تلازمه أينما ذهب، بل هي جراح مفتوحة في جسد المجتمع كله، إن تُركت دون علاج أفسدته من الداخل. الفقير ليس عبئًا على الوطن، بل هو طاقة معطلة، والجاهل ليس خطرًا في حد ذاته، بل الخطر الحقيقي في من أبقاه جاهلًا واستفاد من جهله، والمتخلف ليس مادة للسخرية، بل شاهد حي على فشل منظومة كاملة عجزت عن التطوير والتجديد. إن أخطر ما نفعله هو أن نُطبع مع هذه الظواهر، وأن نبررها، أو نكتفي بإدانتها بالكلام، بينما نترك الأسباب تنمو في صمت حتى تتحول إلى كوارث.

المجتمعات لا تنهار فجأة، بل تسقط تدريجيًا حين تتسع الفجوة بين الغني والفقير، وحين يصبح العلم رفاهية لا حقًا، وحين يُحاصر الوعي، ويُكافأ الفساد، ويُهمَّش المجتهد. عندها يصبح الفقر بيئة خصبة للغضب، والجهل أرضًا سهلة للتطرف والخداع، والتخلف قيدًا يشد المجتمع كله إلى الخلف مهما حاول البعض التقدم. فلا نهضة حقيقية بلا عدالة اجتماعية، ولا استقرار بلا تعليم واعٍ، ولا مستقبل بلا عقل ناقد يرفض الخرافة ويواجه الخطأ.

إن كرامة الإنسان هي الأساس، ومن دونها لا قيمة لأي خطط أو شعارات. المطلوب ليس الشفقة على الفقير، بل إنصافه، وليس التفاخر بمحاربة الجهل، بل اجتثاثه من جذوره، وليس الهروب من وصف التخلف، بل الاعتراف به بشجاعة والعمل على تغييره. فالأوطان تُبنى حين يشعر الإنسان أنه مرئي، مسموع، وله مكان في الحلم الكبير، وحين يدرك أن جهده لن يضيع، وأن مستقبله لا يُصادر بسبب فقره أو ظروفه.

وسيظل السؤال مطروحًا أمام الجميع: هل نريد مجتمعًا يُقسم الناس إلى فئات محتقرة ومُدانة، أم وطنًا يتسع للجميع ويمنحهم فرصة عادلة للحياة الكريمة؟ الإجابة لا تكون بالكلمات، بل بالأفعال. فإما أن نواجه الفقر والجهل والتخلف بصدق وإرادة، فنفتح أبواب الأمل، أو نتركها تنخر في عظام المجتمع حتى لا يبقى فيه ما يستحق الإنقاذ.
google-playkhamsatmostaqltradent