حسين السمنودي
قال الله تعالى في سورة الفرقان: ﴿الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، وهي آية قصيرة في كلماتها، عظيمة في معناها، عميقة في دلالاتها، تفتح أمام الإنسان بابًا واسعًا للتأمل في معرفة الله سبحانه وتعالى، وفي حقيقة العلم، وفي ضرورة أن يعرف الإنسان ممن يأخذ دينه، وإلى من يلجأ حين تختلط عليه الأمور.
فالقرآن الكريم لا يدعو الإنسان إلى الجهل، ولا يطلب منه أن يعيش أسيرًا للتخمين والظنون، وإنما يفتح أمامه أبواب السؤال والتدبر والبحث عن الحقيقة، لكنه في الوقت نفسه يعلمه أن لكل علم أهله، وأن لكل أمر خبيرًا، وأن أعظم ما ينبغي للإنسان أن يسأل عنه هو ما يتصل بربه ودينه وحياته ومصيره.
وقبل هذه الآية يقول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، فتأتي الآية في سياق الحديث عن الله سبحانه وتعالى، خالق السماوات والأرض، مالك الكون ومدبر أمره، الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
ومعنى ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ أن من أراد أن يعرف حقيقة ما يتعلق بالله وصفاته وأفعاله وأمره، فليسأل أهل العلم والخبرة، وقيل في التفسير إن المعنى: اسأل عن الرحمن خبيرًا به، أي عالمًا بأمره وصفاته، والقرآن نفسه يهدي الإنسان إلى أن السؤال لا يكون عشوائيًا، وإنما يكون عند أهل المعرفة والبصيرة.
وهنا تظهر قيمة عظيمة من قيم الإسلام، وهي قيمة الرجوع إلى أهل العلم.
فالإنسان مهما بلغ من الذكاء والثقافة والخبرة يظل محدود المعرفة. قد يعرف شيئًا ويجهل أشياء، وقد يملك خبرة في مجال ولا يملك منها شيئًا في مجال آخر. ولذلك كان من الخطأ أن يظن الإنسان أن مجرد امتلاكه القدرة على الكلام يعني امتلاكه القدرة على الفتوى، وأن كثرة المتابعين تعني صحة المعلومة، وأن انتشار الرأي يعني تحوله إلى حقيقة.
لقد أصبح الإنسان في زماننا يعيش وسط سيل هائل من المعلومات. بضغطة واحدة يمكن أن تصل إليه آلاف الآراء، ومئات التفسيرات، وعشرات الفتاوى، وقد يجد أمامه كلامًا متناقضًا حول القضية الواحدة. وهنا تأتي أهمية هذه الروح القرآنية العظيمة: اسأل خبيرًا.
ليس كل من تحدث في الدين عالمًا، وليس كل من حفظ بعض النصوص قادرًا على فهم مقاصدها، وليس كل من امتلك منصة يستطيع أن يحمل أمانة الكلمة الدينية.
والدين أمانة، والفتوى أمانة، والكلمة التي تتعلق بالحلال والحرام أمانة أكبر من أن تكون مجالًا للتجربة أو الاستعراض.
والجميل في التعبير القرآني أنه لم يقل فقط: اسأل، وإنما قال: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، وكأن القرآن يعلم الإنسان أن السؤال الصحيح لا يكتمل إلا باختيار المصدر الصحيح للجواب.
فإذا مرض الجسد ذهب الإنسان إلى الطبيب، وإذا تعطلت السيارة ذهب إلى الميكانيكي، وإذا احتاج إلى بناء بيت استعان بالمهندس، وإذا أراد أن يعرف حكمًا شرعيًا فعليه أن يرجع إلى العالم الموثوق، وإذا أراد أن يفهم كتاب الله فعليه أن يستعين بأهل التفسير والعلم.
وهذا ليس انتقاصًا من الإنسان، بل هو اعتراف بحدود المعرفة، والاعتراف بحدود المعرفة هو في ذاته نوع من الحكمة.
والإنسان الذي يقول: لا أعلم عندما لا يعلم، ليس ضعيفًا، وإنما هو أكثر صدقًا من إنسان يتحدث فيما لا يعرف.
ومن أجمل ما نتعلمه من هذه الآية أن السؤال ليس عيبًا.
قد يخجل بعض الناس من السؤال خوفًا من أن يقال عنه إنه لا يعرف، بينما الحقيقة أن الإنسان لا يتعلم إلا عندما يسأل. والقرآن الكريم نفسه فتح أبوابًا واسعة للسؤال، وذكر أسئلة الناس، وأجاب عنها، ووجههم إلى ما ينفعهم، لأن العقل الذي يسأل بحثًا عن الحق عقل حي، أما العقل الذي يرفض السؤال خوفًا من الاعتراف بجهله فقد يغلق على نفسه أبواب المعرفة.
لكن هناك فرقًا بين السؤال الذي يقود إلى الحقيقة، والسؤال الذي يكون هدفه الجدل والمكابرة.
السؤال الصادق يبحث عن النور، أما السؤال الذي لا يريد صاحبه إلا الانتصار لنفسه فقد يتحول إلى خصومة لا إلى معرفة.
ومن هنا فإن الآية تعلمنا أدبًا عظيمًا من آداب طلب العلم: أن نسأل من نثق في علمه وأمانته وخبرته.
وهذا الأمر بالغ الأهمية في عصر أصبحت فيه المعلومة الدينية تصل إلى الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي بصورة سريعة جدًا. فقد يسمع الإنسان مقطعًا قصيرًا، فيبني عليه حكمًا كاملًا، أو يقرأ منشورًا مجهول المصدر، فينقله إلى الآخرين باعتباره حقيقة دينية، وربما ترتب على ذلك سوء فهم أو خصومة أو تشدد أو اتهام للناس بغير علم.
وهنا ينبغي أن نتذكر دائمًا أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾.
فالخبير ليس مجرد شخص يتكلم بثقة، وإنما هو من جمع العلم والفهم والأمانة، وعرف النصوص، وفهم سياقاتها، واستطاع أن يضع الأمور في مواضعها.
والآية تحمل كذلك معنى عظيمًا في تعظيم الله سبحانه وتعالى.
فالله هو الرحمن، والرحمة هنا ليست مجرد كلمة عابرة، وإنما اسم عظيم من أسماء الله الحسنى، يدل على رحمته الواسعة بخلقه. وحين يذكر القرآن الرحمن في هذا السياق، فإن الإنسان يشعر بعظمة الخالق الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما، ثم يفتح لعباده أبواب المعرفة والهداية، فلا يتركهم تائهين في ظلمات الجهل.
إن الله سبحانه وتعالى هو الخالق، ونحن المخلوقون، وهو العليم، ونحن نتعلم، وهو الخبير، ونحن نحتاج إلى الخبرة والعلم.
وكلما ازداد الإنسان علمًا حقيقيًا ازداد إدراكًا لحاجته إلى الله، ولم يتحول علمه إلى غرور.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة: العلم الحقيقي لا يجعل الإنسان أكثر تكبرًا، وإنما يجعله أكثر تواضعًا.
فالإنسان كلما عرف اتساع الكون، وعظمة الخلق، ودقة النظام، وتعقيد الحياة، أدرك أن ما يملكه من معرفة لا يمثل إلا جزءًا صغيرًا جدًا من الحقيقة.
ولهذا كان العلماء الحقيقيون أكثر الناس احترامًا للعلم، وأكثرهم حرصًا على قول: الله أعلم، عندما لا يجدون الجواب.
وفي حياتنا اليومية، لا ينبغي أن تكون الآية مجرد عبارة نقرأها ثم نغلق المصحف، بل يمكن أن تتحول إلى منهج حياة.
قبل أن تصدر حكمًا، اسأل.
قبل أن تنقل خبرًا، تحقق.
قبل أن تتحدث في أمر لا تعرفه، ارجع إلى أهله.
قبل أن تنسب قولًا إلى الدين، تأكد من صحته.
وقبل أن تجعل رأيًا شخصيًا حقيقة مطلقة، تذكر أن الإنسان قد يخطئ وأن الحقيقة لا تتغير لمجرد أننا لا نعرفها.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات ليس نقص المعلومات فقط، وإنما انتشار المعلومات الخاطئة في صورة يقين.
وقد يؤدي ذلك إلى ظلم إنسان، أو تشويه سمعة، أو تفريق أسرة، أو إثارة فتنة، أو إرباك الناس في أمور دينهم ودنياهم.
ولذلك فإن الرجوع إلى أهل الخبرة ليس رفاهية، بل هو حماية للإنسان والمجتمع.
والقرآن حين يعلمنا أن نسأل الخبير، فإنه في الوقت نفسه يعلمنا احترام التخصص.
فلا يجوز أن يتحول كل إنسان إلى طبيب في الطب، ومهندس في الهندسة، وقانوني في القانون، وعالم دين في الشريعة، لمجرد أنه قرأ بعض المعلومات هنا وهناك.
الخبرة تُبنى بالعلم والتجربة والتخصص والتثبت.
وهذا من جمال الإسلام؛ فهو دين يحترم العقل والعلم وأهل الاختصاص، ويحث الإنسان على أن يعرف قدر نفسه وقدر ما يعرف.
وفي زمن السرعة، نحن في أشد الحاجة إلى هذه الآية.
زمن أصبحت فيه الكلمة تنتشر في ثوانٍ، والصورة قد تخدع العين، والمقطع قد يكون مبتورًا من سياقه، والعنوان قد يكون مختلفًا عن الحقيقة، والرأي قد يقدم على أنه خبر، والادعاء قد يقدم على أنه دليل.
وفي وسط كل ذلك يأتي صوت القرآن هادئًا وعظيمًا: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾.
توقف قليلًا.
لا تتعجل.
اسأل.
تحقق.
ارجع إلى من يعلم.
ثم ابنِ موقفك على المعرفة لا على الظن.
والأجمل من ذلك أن الإنسان حين يسأل أهل الخبرة لا يفقد شخصيته ولا عقله، وإنما يستخدم عقله بطريقة أكثر نضجًا. فهو لا يسلم عقله لكل من يتحدث، بل يبحث عن صاحب العلم والأمانة، ثم يستمع ويفهم ويتدبر.
وهكذا يصبح السؤال طريقًا إلى النضج، ويصبح التثبت طريقًا إلى الحكمة، ويصبح العلم وسيلة لحماية الإنسان من الوقوع في الخطأ.
ولعل أعظم ما يمكن أن يخرج به الإنسان من هذه الآية هو أن معرفة الله ليست مجالًا للتخمين، وأن الحديث عن الخالق سبحانه وتعالى يحتاج إلى علم وأدب وتعظيم، وأن القرآن يريد للإنسان أن يطلب الحقيقة من أبوابها، وأن يضع كل علم عند أهله.
إنها آية قصيرة، لكنها تحمل مدرسة كاملة في العلم والمعرفة والتواضع والتثبت واحترام التخصص.
وحين يعيش الإنسان بهذا المعنى، يصبح أكثر هدوءًا في أحكامه، وأكثر رحمة بالآخرين، وأقل اندفاعًا خلف الشائعات، وأكثر حرصًا على الحقيقة.
ويبقى أعظم ما في الآية أنها تضع الإنسان أمام اسم من أجمل أسماء الله: الرحمن؛ ذلك الاسم الذي يفتح في القلب باب الرجاء، ويذكر الإنسان بأن وراء هذا الكون خالقًا رحيمًا، وأن رحمته سبقت غضبه، وأن من أراد أن يعرف ربه فليطلب العلم من أهله، وليقرأ كتاب الله بتدبر، وليقترب من أهل البصيرة، وليجعل المعرفة طريقًا إلى الإيمان لا وسيلة إلى الكبر.
﴿الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ليست مجرد آية نتلوها، بل منهج ينبغي أن نعيش به؛ أن نسأل عندما نجهل، وأن نتحقق عندما نسمع، وأن نتواضع عندما نعلم، وأن نرجع إلى أهل الخبرة عندما تلتبس علينا الأمور، وأن ندرك في النهاية أن فوق كل ذي علم عليمًا، وأن أعظم العلم هو أن يعرف الإنسان قدر نفسه، ويعرف ربه، ويعرف الطريق الذي يقوده إلى الحق والخير والرحمة.