recent
أخبار ساخنة

إشكالية: "أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ"؟!

شيفاتايمز SHEFATAIMS
الصفحة الرئيسية




بقلم / عبدالرحمن الليث




من المشكل في تقرير المسائل الشرعية ما يقع من المفتي في أذهان المستفتي أن يكون المفتي يقرر كلاما لا يقوم به، كمن يأمر بالمعروف ولا يعرف للمعروف طريقا، وكمن يَنهى عن المنكر وهو لم يترك طريقا للمنكر إلا وسلكه وانتهجه، فيقع المستفتي في حيرة، فيبني حكما مستقلا وعاما على المفتي بغض النظر عن صواب كلامه في ذات المسألة وهذا ما يسمى بمغالطة "رجل القش"، فيقول المدعي: أنت لست أهلا لتعظ الناس، فأنت تقولوا ما لا تفعل؛ والله سبحانه قال: 
"يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون* كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون"
فلو تأملنا الآية جيدا بعقل سليم وفهم صحيح، لو وجدنا أن الله بدأ بقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا" والإيمان أخص من الإسلام لأنه خاص بالأعمال الباطنة لا الظاهرة، فدل ذلك على أمر هام، أن المُنكر معه ما يشفع له من الإيمان ولهذا وصفه الله بذلك، ولم ينفي عنه ذلك على الرغم من أنه آتى بمنكر عظيم حتى أنه وصفه بأشد الأوصاف وهو "المقت" ...
والشق الثاني للمتأمل يدرك به أن المقت والنكير من الله عز وجل لم يكن على مجرد القول والنصيحة بل كان على تركهم فعل ما يقولون، وفي ذلكم قال القرطبي رحمه الله: "وَعُمُومُ الْآيَةِ حُجَّةٌ لَنَا، لِأَنَّهَا بِمُطْلَقِهَا تَتَنَاوَلُ ذَمَّ مَنْ قَالَ مَا لَا يَفْعَلُهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ"
واستدلالهم بقوله جلا وعلا:
"أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم"
فقد قال القرطبي رحمه الله في تفسيره:
"اعْلَمْ وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ التَّوْبِيخَ فِي الْآيَةِ بِسَبَبِ تَرْكِ فِعْلِ الْبِرِّ ، لَا بِسَبَبِ الْأَمْرِ بِالْبِرِّ"
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: 
وَالْغَرَضُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّهُمْ عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ وَنَبَّهَهُمْ عَلَى خَطَئِهِمْ فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمْ، حَيْثُ كَانُوا يَأْمُرُونَ بِالْخَيْرِ وَلَا يَفْعَلُونَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ ذَمُّهُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ بِالْبِرِّ مَعَ تَرْكِهِمْ لَهُ، بَلْ عَلَى تَرْكِهِمْ لَهُ....فَكُلٌّ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَفِعْلِهِ وَاجِبٌ، لَا يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِتَرْكِ الْآخَرِ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ مُرْتَكِبَ الْمَعَاصِي لَا يَنْهَى غَيْرَهُ عَنْهَا، وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَأَضْعَفُ مِنْهُ تَمَسُّكُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْعَالِمَ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِنِ ارْتَكَبَهُ،قَالَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: لَوْ كَانَ الْمَرْءُ لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مَا أَمَرَ أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ وَلَا نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: وَصَدَقَ مَنْ ذَا الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ؟"
فلو افترضنا أنه لا يجوز للعاصي أن ينصح عاصيا، بل يجب أن يكون تقيا وعدلا، لما سلم لنا واحد في هذه الأمة، فكلنا نعيش في المعاصي والذنوب وما الكاتب بأسلم من القارئ، _بل لولا ستر الله علينا لفضحنا، ولو كانت للمعصية ريح ما جلس أحد بجوارنا_ فصاحب هذا الفهم يسلك سبيلا خطيرا، فهو بوجه أو بآخر يعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيجب بفهمه أن يكون الناصح ورعا تقيا، وهذا غير معقول، وفي ذلك ذكر الأئمة بيان فساد هذا القول:
قال أبو بكر بن العربي المالكي:
" وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِه الناصح أَنْ يَكُونَ عَدْلًا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَقَالَتْ الْمُبْتَدِعَةُ : لَا يُغَيِّرُ الْمُنْكَرَ إلَّا عَدْلٌ .
وَهَذَا سَاقِطٌ ؛ فَإِنَّ الْعَدَالَةَ مَحْصُورَةٌ فِي قَلِيلٍ مِنْ الْخَلْقِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ النَّاسِ" انتهى من "أحكام القرآن" (1/349) .
وقال النووي رحمه الله : " قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْآمِرِ وَالنَّاهِي أَنْ يَكُونَ كَامِلَ الْحَالِ ، مُمْتَثِلًا مَا يَأْمُرُ بِهِ ، مُجْتَنِبًا مَا يَنْهَى عَنْهُ ، بَلْ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَإِنْ كَانَ مُخِلًّا بِمَا يَأْمُرُ بِهِ ، وَالنَّهْيُ وَإِنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِمَا يَنْهَى عَنْهُ .
فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْئَانِ : أَنْ يَأْمُرَ نَفْسَهُ وَيَنْهَاهَا ، وَيَأْمُرَ غَيْرَهُ وَيَنْهَاهُ ، فَإِذَا أَخَلَّ بِأَحَدِهِمَا ، كَيْفَ يُبَاحُ لَهُ الْإِخْلَالُ بِالْآخَرِ؟! " انتهى من " شرح صحيح مسلم " (2/23) .
وقال الحافظ ابن حجر : " وَأَمَّا مَنْ قَالَ لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ إِلَّا مَنْ لَيْسَتْ فِيهِ وَصْمَةٌ ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ الْأَوْلَى فَجَيِّدٌ ، وَإلَّا فَيَسْتَلْزِمُ سَدَّ بَابِ الْأَمْرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرُهُ" انتهى من "فتح الباري" (13/53)

بل مما يجهله أصحاب هذه الدعاوي، أن رد النصيحة في حد ذاته إثم، وإن خرج ممن هو أقل منك، بل لو خرج من عاص مشهور المعصية، بل وصل الأمر في التشديد في قبول النصيحة أن تقبل ولو كانت من الكافر، بل ولو كانت من الشيطان نفسه، كما في قصة أبي هريرة رضي الله عنه مع الشيطان الذي علمه آية الكرسي وجاء للنبي ﷺ فقال: صدقك وهو كذوب!
وفي ذلك قوله سبحانه: "إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا" فمع كونه شهد له بالفسق إلا أن الله أمر بالتبين ومعرفة الحق، فليس الفسق مسوغا لرد كلامه، بل الحجة والبيان هما المعيار الذي يُبنى عليه صدق الكلام وكذبه!
ومعلوم أن ترك التناهي عن المنكر موجب لسخط الله وعقوبته، كما قال تعالى: "لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ"
ولو قلنا بكلامهم المتهافت لأصبح في الشرع خلل وغلط، وإلا فما توجيه المعترض على عموم قوله ﷺ "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"؟!

وأنصح إخواننا ومن جاروا علينا ويجيرون على غيرهم بهذه الدعوى، أن يرفقوا بنا وبأنفسهم، فلا يجوز تعيير أحد بذنبه، فالنبي ﷺ قال: 
"لا تُؤْذُوا عِبَادَ اللَّهِ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَطْلُبُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ طَلَبَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ طَلَبَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ ".
وفي البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: أُتِي النبي ﷺ بِرَجُل قد شرب، قال: اضربوه، قال أبو هريرة: فَمِنّا الضارب بيده، والضارب بِنَعله، والضارب بثوبه ، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله!  قال: "لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان".
وفي رواية أخرى ولكن قولوا: "اللهم اغفر له اللهم ارحمه" 
وقد وقع الصحابة وهم أشرف الناس بعد الأنبياء في المعاصي بل في الكبائر، ومن ذلك ما حدث من النعيمان بن عمرو وقد جلده النبي ﷺ على شربه للخمر ثم سمع النبي ﷺ من يلعنه، فقال: "لا تَلْعَنُوه، فوالله ما عَلِمْتُ إلَّا أنه يُحِبُّ اللهَ ورسولَه"
وقصة توبة وحشي بن حرب وقد قتل سيد الشهداء حمزة تشق القلوب، وقصة ماعز بن مالك التي تبكي الصخر وهو الذي زنى ورجم، وما أنا وما أنتم إلا ذرة في فلاة في حق هؤلاء، مع أن منكم من لم يقتل ولم يشرب الخمر، ولم يزني، ومع ذلك هم خير منا...

فانصح نفسي وإياكم أن تتقوا الله وأن تجاهدوا أنفسكم على معاصيكم فالله وعد ووعده الحق: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ"













google-playkhamsatmostaqltradent